الأحد، 14 أكتوبر 2012

تذكير بفضائل العشر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فلما نصبت رايات: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: ٩٧]، و«قد فرض الله عليكم الحج فحجوا» [رواه مسلم]، و«رجع كيوم ولدته أمه» [متفق عليه واللفظ للبخاري]، و«ليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة» [رواه الترمذي، وصححه الألباني]، رخـُصَ على المستطيعين كل غالٍ، فبذلوا المال، وتركوا الأهل والعيال، وظعنوا راحلين أو على رحال، وقلوبهم إلى بيت ربهم مشتاقة، وأرواحهم إلى الطواف والسعى تواقة، تسكب جفونهم العبرات، وتلهج ألسنتهم بالدعوات، وتردد حناجرهم التلبيات، فإذا وقفوا على عرفات، تنزلت عليهم الرحمات، وباهى بهم ربهم أهل السماوات، ونكست لإبليس الرايات، وحُطت الخطايا، ومحيت السيئات.

هذا ولم يَحرم الله -تعالى- القاعدين على عذر من الغنيمة والأجر، فقد جعل أيام العشر نفحة من نفحات الدهر، فتعظيما لها أقسم -سبحانه وتعالى- في القرآن بها؛ {وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)} [الفجر: ٢،١]، وهي الأيام المعلومات التي شرع الله فيها لعباده الذكر {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [الحج: ٢٨]، وهي خاتمة الأشهر المعلومات أيام الحج: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: ١٩٧]، وقيل: إنها من جملة الأربعين التي أتمها الله لموسى -عليه السلام-: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [الأعراف: ١٤٢].

فإذا كان المعذور قد حرم أن يكون من أهل الموسم هذا العام، فقد جعل الله له أعمالا يعملها وهو في بيته دون أن يخرج من بلده، أو يرحل عن أهله وولده، أجرها كأجر المجاهد في سبيل الله -تعالى-، ففي الصحيح عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما العمل في أيام العشر أفضل من العمل في هذه» قالوا: ولا الجهاد؟ قال: «ولا الجهاد إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء» [رواه البخاري]، وفي رواية: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام يعني أيام العشر» قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء» [رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني].

فمن حُرِمَ الحج لعذر، بل من حرم الجهاد تحت ظلال السيوف، لا يحرم أن يكون له -بعمل صالح من صلاة وقيام، وذكر وصيام، وصدقة ونفقة، وبر وإحسان- أجر المجاهد بنفسه وماله في سبيل الله فلم يرجع بماله فقد أنفقه، ولم يرجع بنفسه ففي سبيل الله قد أزهقها.

وقد شرع للقائمين على العذر ما يشاركون به إخوانهم السائرين إلى البيت الحرام، من ذلك:

- إخلاص النية، فقد يدرك العبد بحسن نيته أجر العامل، وفي حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما خرج في غزوة تبوك: «إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم» قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة؟ قال: «وهم بالمدينة حبسهم العذر» [رواه البخاري].

يا سائرين إلى البيت العتيق *** لقد سرتم جسوما وسرنا نحن أرواحا

إنا أقـمنا عـلـى عذر وقد رحـلوا *** ومـن أقـام عـلـى عـذر كـمن راحا

- الإكثار من الذكر؛ فإذا كان أفضل الحج العج -الإكثار من التلبية والذكر-، والثج -إراقة الدماء-، فإن القاعدين داخلون في عموم قول الله -تعالى-: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ} [الحج: ٢٨]، وقد ذكر البخاري في صحيحه عن ابن عمر -رضي الله عنهما- وأبي هريرة -رضي الله عنه- أنهما كانا يخرجان إلى السوق في العشر فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما.

- شراء الأضاحي وإعدادها، فكما يعد الحاج هديه لينحره شكرا لله على بهيمة الأنعام؛ فكذلك القاعد يعد أضحيته ليصلي لربه يوم العيد ثم ينحر {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: ٢].

- وكذلك يشارك القاعدون إخوانهم في التشبه بهم في بعض الإحرام، فإن من دخل عليه العشر وأراد أن يضحي، فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره، ففي الصحيح عن أم سلمة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شعره وبشره شيئا» [رواه مسلم].

- ولما كان الحج عرفة، وقد شرع لهم ما تـُكفر به الذنوب، شرع أيضا للقاعدين صياما يكفر سنتين ماضية ومستقبلة، فالحاج على عرفات تغفر ذنوبه، والقاعد الصائم تـُغفر له ذنوبه فعن أبي قتادة -رضي الله عنه- مرفوعا: «صوم يوم عرفة يكفر سنتين ماضية ومستقبلة» [رواه الجماعة إلا البخاري، واللفظ للألباني].

- ولما شُرع للحجيج الذكر في أيام التشريق عند رمي الجمرات، شرع للقاعدين الذكر المطلق وعقب الصلوات، فمن فجر عرفة إلى آخر أيام التشريق يكبر الناس بعد كل صلاة: "الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد".

فيا أخي قم فقد حان وقت الوصال، استغفر لذنبك، وأطع ربك، واسعَ عساك أن تدرك.

اللهم بلغ حجاج بيتك، واجعل سعيهم مشكورا، وذنبهم مغفورا، وأعدهم إلى بلادهم بأجر وغنيمة، ولا تحرمنا بركة دعائهم.
كتبه/ عبد المعطي عبد الغني

موقع صوت السلف

الخميس، 11 أكتوبر 2012

تفسير المفسرين رحمه الله لسورة إبراهيم الآية (٣٤)

قال تبارك قوله في سورة إبراهيم :
{ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)}

تفسير الميسر للآية :
وأعطاكم من كل ما طلبتموه, وإن تعدُّوا نِعَم الله عليكم لا تطيقوا عدها ولا إحصاءها ولا القيام بشكرها; لكثرتها وتنوُّعها. إن الإنسان لَكثير الظلم لنفسه, كثير الجحود لنعم ربه.

وفي تفسير الجلالين للآية :
{ وَءَاتَاكُمْ مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } على حسب مصالحكم { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ } بمعنى إنعامه { لاَ تُحْصُوهَا } لا تطيقوا عدّها { إِنَّ ٱلإنسَانَ } الكافر { لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } كثير الظلم لنفسه بالمعصية والكفر لنعمة ربه.

قال السعدي في الآية :
وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) .
( وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ) أي: أعطاكم من كل ما تعلقت به أمانيكم وحاجتكم مما تسألونه إياه بلسان الحال، أو بلسان المقال، من أنعام، وآلات، وصناعات وغير ذلك.
( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا ) فضلا عن قيامكم بشكرها ( إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ) أي: هذه طبيعة الإنسان من حيث هو ظالم متجرئ على المعاصي مقصر في حقوق ربه كفَّار لنعم الله، لا يشكرها ولا يعترف بها إلا من هداه الله فشكر نعمه، وعرف حق ربه وقام به.
ففي هذه الآيات من أصناف نعم الله على العباد شيء عظيم، مجمل ومفصل يدعو الله به العباد إلى القيام بشكره، وذكره ويحثهم على ذلك، ويرغبهم في سؤاله ودعائه، آناء الليل والنهار، كما أن نعمه تتكرر عليهم في جميع الأوقات.

وقول القرطبي في الآية :
قوله تعالى: { ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ } أي أبدعها واخترعها على غير مثال سبق. { وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ } أي من السّحاب. { مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ } أي من الشجر ثمرات { رِزْقاً لَّكُمْ }. { وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ } تقدم معناه في «البقرة». { وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَارَ } يعني البحار العذبة لتشربوا منها وتسقوا وتزرعوا، والبحار المالحة لاختلاف المنافع من الجهات. { وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَينَ } أي في إصلاح ما يصلحانه من النبات وغيره، والدُّؤوب مرور الشيء في العمل على عادة جارية. وقيل: دائبين في السير امتثالاً لأمر الله، والمعنى يجريان إلى يوم القيامة لا يفتران؛ روي معناه عن ابن عباس. { وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ } أي لتسكنوا في الليل، ولتبتغوا من فضله في النهار، كما قال:
{ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } [القصص: ٧٣].
قوله تعالى: { وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } أي أعطاكم من كل مسؤول سألتموه شيئاً؛ فحذف؛ عن الأخفش. وقيل: المعنى وآتاكم من كل ما سألتموه، ومن كل ما لم تسألوه فحذف، فلم نسأله شمساً ولا قمراً ولا كثيراً من نعمه التي ٱبتدأنا بها. وهذا كما قال: { سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ } على ما يأتي. وقيل: «مِن» زائدة؛ أي آتاكم كلّ ما سألتموه. وقرأ ٱبن عباس والضحاك وغيرهما { وَءَاتَـٰكُمْ مِن كُلِّ } بالتنوين «مَا سَأَلْتُمُوهُ» وقد رويت هذه القراءة عن الحسن والضحاك وقَتَادة؛ هي على النفي أي من كل ما لم تسألوه؛ كالشمس والقمر وغيرهما. وقيل: من كل شيء ما سألتموه أي الذي ما سألتموه. { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ } أي نعم الله. { لاَ تُحْصُوهَا } ولا تطيقوا عدّها، ولا تقوموا بحصرها لكثرتها، كالسَّمع والبصر وتقويم الصّور إلى غير ذلك من العافية والرزق؛ (نعم لا تحصى) وهذه النّعم من الله، فَلِمَ تبدلون نعمة الله بالكفر؟ وهلا ٱستعنتم بها على الطاعة؟ٰ { إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } الإنسان لفظ جنس وأراد به الخصوص؛ قال ابن عباس: أراد أبا جهل. وقيل: جميع الكفار.

قول الطبري في الآية :
وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار القول في تأويل قوله تعالى: {وآتاكم من كل ما سألتموه} يقول تعالى ذكره: وأعطاكم مع إنعامه عليكم بما أنعم به عليكم من تسخير هذه الأشياء التي سخرها لكم والرزق الذي رزقكم من نبات الأرض وغروسها من كل شيء سألتموه ورغبتم إليه شيئا. وحذف الشيء الثافي اكتفاء "ما " التي أضيفت إليها "كل " ؛ وإنما جاز حذفه، لأن "من " تبعض ما بعدها، فكفت بدلالتها على التبعيض من المفعول، فلذلك جاز حذفه، ومثله قوله تعالى: {وأوتيت من كل شيء} يعني به: وأوتيت من كل شيء في زمانها شيئا. وقد قيل: إن ذلك إنما قيل على التكثير، نحو قول القائل: فلان يعلم كل شيء، وأتاه كل الناس، وهو يعني بعضهم، وكذلك قوله: {فتحنا عليهم أبواب كل شيء} وقيل أيضا: إنه ليس شيء إلا وقد سأله بعض الناس، فقيل: {وآتاكم من كل ما سألتموه} أي قد أتى بعضكم منه شيئا، وأتى آخر شيئا مما قد سأله. وهذا قول بعض نحويى أهل البصرة.وكان بعض نحويي أهل الكوفة يقول: معناه: وآتاكم من كل ما سألتموه لو سألتموه، كأنه قيل: وآتاكم من كل سولكم ؛ وقال: ألا ترى أنك تقول للرجل لم يسألك شيئا: والله لأعطينك سؤلك ما بلغت مسألتك ! وإن لم يسأل؟فأما أهل التأويل، فإنهم اختلفوا في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: وآتاكم من كل ما رغبتم إليه فيه. ذكر من قال ذلك:١٥٧٤٣- حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء ؛ وحدثني الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: {من كل ما سألتموه} ورغبتم إليه فيه.- حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ؛ وحدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ؛ وحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.١٥٧٥٠ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن: {وآتاكم من كل ما سألتموه} قال: من كل الذي سألتموه.وقال آخرون: بل معنى ذلك: وآتاكم من كل الذي سألتموه والذي لم تسألوه. ذكر من قال ذلك:١٥٧٥١ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا خلف، يعني ابن هشام، قال: ثنا محبوب، عن داود بن أبي هند، عن ركانة بن هاشم: {من كل ما سألتموه} وقال: ما سألتموه وما لم تسألوه.وقرأ ذلك آخرون: "وآتاكم من كل ما سألتموه " بتنوين "كل " وترك إضافتها إلى "ما " بمعنى: وآتاكم من كل شيء لم تسألوه ولم تطلبوه منه. وذلك أن العباد لم يسألوه الشمس والقمر والليل والنهار، وخلق ذلك لهم من غير أن يسألوه. ذكر من قال ذلك:١٥٧٥٢ - حدثني أبو حصين، عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: ثنا بزيع، عن الضحاك بن مزاحم في هذه الآية: "وآتاكم من كل ما سألتموه " قال: ما لم تسألوه.١٥٧٥٣ - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبيد، عن الضحاك أنه كان يقرأ: "من كل ما سألتموه " ويفسره: أعطاكم أشياء ما سألتموها ولم تلتمسوها، ولكن أعطيتكم برحمتي وسعتي. قال الضحاك: فكم من شيء أعطانا الله ما سألنا ولا طلبناه.- حدثنا عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: "وآتاكم من كل ما سألتموه " يقول: أعطاكم أشياء ما طلبتموها ولا سألتموها، صدق الله كم من شيء أعطاناه الله ما سألناه إياه ولا خطر لنا على بال.١٥٧٥٦ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: "وآتاكم من كل ما سألتموه " قال: لم تسألوه من كل الذي آتاكم.والصواب من القول في ذلك عندنا، القراءة التي عليها قراء الأمصار، وذلك إضافة "كل " إلى "ما " بمعنى: وآتاكم من سؤلكم شيئا، على ما قد بينا قبل، لإجماع الحجة من القراء عليها ورفضهم القراءة الأخرى..لقول في تأويل قوله تعالى: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار} يقول تعالى ذكره: وإن تعدوا أيها الناس نعمة الله التي أنعمها عليكم لا تطيقوا إحصاء عددها والقيام بشكرها إلا بعون الله لكم عليها. {إن الإنسان لظلوم كفار} يقول: إن الإنسان الذي بدل نعمة الله كفرا لظلوم: يقول: لشاكر غير من أنعم عليه، فهو بذلك من فعله واضع الشكر في غير موضعه ؛ وذلك أن الله هو الذي أنعم عليه بما أنعم واستحق عليه إخلاص العبادة له، فعبد غيره وجعل له أندادا ليضل عن سبيله، وذلك هو ظلمه. وقوله: {كفار} يقول: هو جحود نعمة الله التي أنعم بها عليه لصرفه العبادة إلى غير من أنعم عليه، وتركه طاعة من أنعم عليه.١٥٧٥٥ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: ثنا مسعر، عن سعد بن إبراهيم، عن طلق بن حبيب، قال: إن حق الله أثقل من أن تقوم به العباد، وإن نعم الله أكثر من أن تحصيها العباد ؛ ولكن أصبحوا توابين وأمسوا توابين.

وقول ابن كثير في الآية :
34-وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ يعدد تعالى نعمه على خلقه بأن خلق لهم السماوات سقفا محفوظا والأرض فراشا « وأنزل من السماء ماء فأخرج به أزواجا من نبات شتى » ما بين ثمار وزروع مختلفة الألوان والأشكال والطعوم والروائح والمنافع وسخر الفلك بأن جعلها طافية على تيار ماء البحر تجري عليه بأمر الله تعالى وسخر البحر لحملها ليقطع المسافرون بها من إقليم إلى إقليم آخر لجلب ما هنا إلى هناك وما هناك إلى هنا وسخر الأنهار تشق الأرض من قطر إلى قطر رزقا للعباد من شرب وسقي وغير ذلك من أنواع المنافع « وسخر لكم الشمس والقمر دائبين » أي يسيران لا يفتران ليلا ولا نهارا « لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون » « يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين » فالشمس والقمر يتعاقبان والليل والنهار يتعارضان فتارة يأخذ هذا من هذا فيطول ثم يأخذ الآخر من هذا فيقصر « يولجالليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار » وقوله « وآتاكم من كل ما سألتموه » يقول هيأ لكم كل ما تحتاجون اليه في جميع أحوالكم مما تسألونه بحالكم وقالكم وقال بعض السلف من كل ما سألتموه ومالم تسألوه وقرأ بعضهم « وآتاكم من كل ما سألتموه ومالم تسألوه » وقوله « وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها » يخبر تعالى عن عجز العباد عن تعداد النعم فضلا عن القيام بشكرها كما قال طلق بن حبيب رحمه الله إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد وإن نعم الله أكثر من أن يحصيها العباد ولكن أصبحوا تائبين وأمسوا تائبين وفي صحيح البخاري « 5458 » أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول اللهم لك الحمد غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا وقال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده « ٣٤٤٤ » حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث حدثنا داود بن المحبر حدثنا صالح المري عن جعفر بن زيد العبدي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يخرج لأبن آدم يوم القيامة ثلاثة دواوين ديوان فيه العمل الصالح وديوان فيه ذنوبه وديوان فيه النعم من الله تعالى عليه فيقول الله تعالى لأصغر نعمه أحسبه قال في ديوان النعم خذي ثمنك من عمله الصالح فتستوعب عمله الصالح كله ثم تنحى وتقول وعزتك ما استوفيت وتبقي الذنوب والنعم فإذا أراد الله أن يرحمه قال ياعبدي قد ضاعفت لك حسناتك وتجاوزت لك عن سيئاتك أحسبه قال ووهبت لك نعمي غريب وسنده ضعيف وقد روي في الأثر أن داود عليه السلام قال يارب كيف أشكرك وشكري لك نعمة منك علي فقال الله تعالى الآن شكرتني يا داود أي حين اعترفت بالتقصير عن أداء شكر المنعم وقال الإمام الشافعي رحمه الله « الرسالة ٢ » الحمد لله الذي لا يؤدي شكر نعمة من نعمه إلا بنعمة حادثة توجب على مؤديها شكره بها وقال القائل في ذلك-لو كل جارحة مني لها لغة تثني عليك بما أوليت من حسن**لكان ما زاد شكري إذ شكرت به إليك أبلغ في الاحسان والمنن .

"من يدخل بين البصله وقشرتها ما ينال منها الا ريحتها" "العلاقة بين الزوج وزوجته"


"العلاقة بين الزوج وزوجته"
هي قصة بنت تزوجة رجل كان الاب قد زوجها له باقتناع كامل "بصلاحه خلق وأخلاقا "

وبعد زمن من العشرة كتب الله بان يصبح بينهم خلاف واشتد وحلف الأخوة بان لا ترجع له أبداً وعليه بطلاقها طبعاً لم يكن بينهم اولاد كي يكونوا سبب في الصلح ويتعاطف الأخوة مع أختهم بمصير الأولاد بعد الفراق . 

كان الاب حكيماً أراد ان يعلمهم درساً في الحياة فنفذ حيلة هو وزوجة ، فجلب  حطب مبتلاً بالزيت وثقاب الكبريت وجمع ابنائه وبنته وزوجها في دار في البيت قد تكون -المجلس- واغلق الباب ورمى المفتاح من النافذة للخارج ، ورمى يمناً اما تصلح النفوس الآن او يحرق الدار بمن فيها .
كان الكل غير مصدق ان ينفذ الأب كلامه ،  الأب فقد كان جاداً في تنفيذ تهديده ويمينه فاشعل ثقاب الكبريت فرماها على الحطب المبتل بالزيت فاشتعل الحطب بشدةً وبسرعه  واتجه الكل خوفاً ناحية الباب للخروج لاكنه كان مغلق .

« كان هناك عنصر غريب في هذا الموضوع : هو الزوجة تعلقة واستنجدة بزوجها ليحميها تاركةً الكل بمن فيهم الاب وإخوتها » .

طبعاً كان قد طلب من زوجته ام أبنائه بإلتقاط المفتاح بعد رميه وبتجهيز الماء وفتح الباب بعد إغلاقه . 

بعدها فتحت الام الباب ومدتهم بالماء ليخمدو النار .

 وما ان انطفئة النار الا وقال الاب لأبنائه الم تلاحظوا شيء غريب  قد حصل ؟
قالوا لا فقد كان الخوف والفجع قد غمىء أبصارنا !
قال الأب أختكم عند خوفها لم تلجأ وتستنجد الا لزوجها لانه الساتر لها من النار في دنياها وآخرتها ولم تلجى لي ولا لكم هذا هو اعتقادها . 

أوصيكم يا أبنائي بان لا تتدخلون بين إخواتكم وازواجهم في حياتي او بعد مماتي ، فكونوا لهم عوناً وعصباً ، بالإصلاح بينهم بالمعروف ولا تكونوا عون الشيطان بينهم .


والعبرة بالمثل المصري الذي يقول :

"من يدخل بين البصله وقشرتها
ما ينال منها الا ريحتها"

الخميس، 4 أكتوبر 2012

قال صلى الله عليه وسلم : من باع جلد أضحيته فلا أضحية له

الحاكم- سنن البيهيقي عن / أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم:« مَنْ بَاعَ جِلْدَ أُضْحِيَتِهِ فَلاَ أُضْحِيَةَ لَهُ »
[ حسن ، انظر الحديث رقم -٦١١٨- في صحيح الجامع ]
الشرح :
٨٥٥٤ - (من باع جلد أضحيته فلا أضحية له) أي لا يحصل له الثواب الموعود للمضحي على أضحيته (١) قال ابن الكمال: والأضحية اسم لما يذبح في أيام النحر تقربا إلى الله
(ك) في التفسير (هق) كلاهما من حديث عبد الله بن عياش عن الأعرج (عن أبي هريرة) قال الحاكم: صحيح ورده الذهبي في التلخيص فقال ابن عياش ضعف وقد خرج له مسلم
_________
(١) فبيع جلدها حرام وكذا إعطاؤه للجزار وللمضحي الانتفاع به كما في الأضحية المندوبة دون الواجبة بنحو نذر .

"ما أجمل أن ينطلق اللسان بالاعتراف بالذنب "سورة القلم آية٢٨-٢٩

{ قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩)} [ سورة القلم ]
=============================
ما أجمل أن ينطلق اللسان بالاعتراف بالذنب ، وإن كان صاحبه نادماً في قلبه تأمل قول أصحاب الجنة الذين أقسموا على حرمان حق الفقراء .
[القصاب-نكت القرآن (4/383)]
من كتاب ليدبروا آياته
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
في تفسير الميسر :
قال أعدلهم: ألم أقل لكم هلا تستثنون وتقولون: إن شاء الله؟ قالوا بعد أن عادوا إلى رشدهم: تنزَّه الله ربنا عن الظلم فيما أصابنا, بل نحن كنا الظالمين لأنفسنا بترك الاستثناء وقصدنا السيِّئ.
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
في تفسير الجلالين
"قَالَ أَوْسَطهمْ" خَيْرهمْ "أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا" هَلَّا "تُسَبِّحُونَ" اللَّه تَائِبِينَ ،
"قَالُوا سُبْحَان رَبّنَا إنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ" بِمَنْعِ الْفُقَرَاء حَقّهمْ
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
في تفسير الطبري
وَقَوْله : { قَالَ أَوْسَطهمْ } يَعْنِي : أَعْدَلهمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : ٢٦٨٦٢ - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ ; ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { قَالَ أَوْسَطهمْ } قَالَ : أَعْدَلهمْ , وَيُقَال : قَالَ خَيْرهمْ , وَقَالَ فِي الْبَقَرَة : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّة وَسَطًا } قَالَ : الْوَسَط : الْعَدْل . * -حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله { قَالَ أَوْسَطهمْ } يَقُول : أَعْدَلهمْ . ٢٦٨٦٣ - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا الْفُرَات بْن خَلَّاد , عَنْ سُفْيَان , عَنْ إِبْرَاهِيم بْن مُهَاجِر , عَنْ مُجَاهِد { قَالَ أَوْسَطهمْ } : أَعْدَلهمْ . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله { قَالَ أَوْسَطهمْ } قَالَ : أَعْدَلهمْ . ٢٦٨٦٤ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا ابْن يَمَان , عَنْ أَشْعَث , عَنْ جَعْفَر , عَنْ سَعِيد { قَالَ أَوْسَطهمْ } قَالَ : أَعْدَلهمْ . ٢٦٨٦٥ - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { قَالَ أَوْسَطهمْ } أَيْ أَعْدَلهمْ قَوْلًا , وَكَانَ أَسْرَعَ الْقَوْم فَزَعًا , وَأَحْسَنهمْ رَجْعَة { أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ } . * - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { قَالَ أَوْسَطهمْ } قَالَ : أَعْدَلهمْ . ٢٦٨٦٦ - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثنا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { قَالَ أَوْسَطهمْ } يَقُول : أَعْدَلهمْ .
وَقَوْله : { أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ } يَقُول : هَلَّا تَسْتَثْنُونَ إِذْ قُلْتُمْ { لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ } فَتَقُولُوا إِنْ شَاءَ اللَّه. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : ٢٦٨٦٧ - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ إِبْرَاهِيم بْن الْمُهَاجِر , عَنْ مُجَاهِد { لَوْلَا تُسَبِّحُونَ } قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّهُ الِاسْتِثْنَاء . * -قَالَ ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مُجَاهِد { أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ } قَالَ : يَقُول : تَسْتَثْنُونَ , فَكَانَ التَّسْبِيح فِيهِمْ الِاسْتِثْنَاء.
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالُوا سُبْحَانَ رَبّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ أَصْحَاب الْجَنَّة : { سُبْحَان رَبّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ } فِي تَرْكنَا الِاسْتِثْنَاء فِي قَسَمنَا وَعَزَمْنَا عَلَى تَرْك إِطْعَام الْمَسَاكِين مِنْ ثَمَر جَنَّتنَا .
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
في تفسير ابن كثير
" قَالَ أَوْسَطهمْ " قَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَعِكْرِمَة وَمُحَمَّد بْن كَعْب وَالرَّبِيع بْن أَنَس وَالضَّحَّاك وَقَتَادَة أَيْ أَعْدَلهمْ وَخَيْرهمْ " أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ" قَالَ مُجَاهِد وَالسُّدِّيّ وَابْن جُرَيْج " لَوْلَا تُسَبِّحُونَ" أَيْ لَوْلَا تَسْتَثْنُونَ . قَالَ السُّدِّيّ وَكَانَ اِسْتِثْنَاؤُهُمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَان تَسْبِيحًا وَقَالَ اِبْن جَرِير هُوَ قَوْل الْقَائِل إِنْ شَاءَ اللَّه وَقِيلَ مَعْنَاهُ قَالَ أَوْسَطهمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ ؟ أَيْ هَلَّا تُسَبِّحُونَ اللَّه وَتَشْكُرُونَهُ عَلَى مَا أَعْطَاكُمْ وَأَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ .
أَتَوْا بِالطَّاعَةِ حَيْثُ لَا تَنْفَع وَنَدِمُوا وَاعْتَرَفُوا حَيْثُ لَا يَنْفَع . وَلِهَذَا قَالُوا " إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ " .
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
في تفسير القرطبي
أَيْ أَمْثَلهمْ وَأَعْدَلهمْ وَأَعْقَلهمْ .
أَيْ هَلَّا تَسْتَثْنُونَ . وَكَانَ اِسْتِثْنَاؤُهُمْ تَسْبِيحًا ; قَالَهُ مُجَاهِد وَغَيْره . وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْأَوْسَط كَانَ أَمَرَهُمْ بِالِاسْتِثْنَاءِ فَلَمْ يُطِيعُوهُ . قَالَ أَبُو صَالِح : كَانَ اِسْتِثْنَاؤُهُمْ سُبْحَانَ اللَّه . فَقَالَ لَهُمْ : هَلَّا تُسَبِّحُونَ اللَّهَ ; أَيْ تَقُولُونَ سُبْحَانَ اللَّه وَتَشْكُرُونَهُ عَلَى مَا أَعْطَاكُمْ . قَالَ النَّحَّاس : أَصْل التَّسْبِيح التَّنْزِيه لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ; فَجَعَلَ مُجَاهِد التَّسْبِيح فِي مَوْضِع إِنْ شَاءَ اللَّه ; لِأَنَّ الْمَعْنَى تَنْزِيه اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَكُونَ شَيْء إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ . وَقِيلَ : هَلَّا تَسْتَغْفِرُونَهُ مِنْ فِعْلكُمْ وَتَتُوبُونَ إِلَيْهِ مِنْ خُبْث نِيَّتكُمْ ; فَإِنَّ أَوْسَطَهُمْ قَالَ لَهُمْ حِينَ عَزَمُوا عَلَى ذَلِكَ وَذَكَّرَهُمْ اِنْتِقَامَهُ مِنْ الْمُجْرِمِينَ ،
اِعْتَرَفُوا بِالْمَعْصِيَةِ وَنَزَّهُوا اللَّه عَنْ أَنْ يَكُونَ ظَالِمًا فِيمَا فَعَلَ . قَالَ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْلهمْ : " سُبْحَانَ رَبّنَا " أَيْ نَسْتَغْفِر اللَّهَ مِنْ ذَنْبنَا .
لِأَنْفُسِنَا فِي مَنْعنَا الْمَسَاكِين .
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
في تفسير السعدي
(28)- فَقَالَ لَهُمْ أَعْدَلُهُمْ وَأَفْضَلُهُمْ (أَوْسَطُهُمْ): أَلَمْ يَكُنِ الأَفْضَلُ لَكُمْ أَنْ تَشْكُرُوا اللهَ عَلَى أَنْعُمِهِ عَلَيْكُمْ، فَتُسَبِّحُوهُ، وَتَنَزِّهُوهُ؟
أَوْسَطُهُمْ- أَرْجَحُهُمْ عَقَلاً وَأَحْسَنُهُمْ رَأْياً.
لَوْلا تُسَبِّحُونَ- هَلا تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ.
{سُبْحَانَ} {ظَالِمِينَ}
(29)- فَنَدِمُوا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ بَعْدَ فَوَاتِ الأَوَانِ، وَسَبَّحُوا رَبَّهُمْ، وَاعْتَرَفُوا بِأَنَّهُمْ كَانُوا ظَالِمِينَ، حِينَمَا أَرَادَوا مَنْعَ المَسَاكِينَ حَقَّهُمْ مِنْ ثَمَرِ البُسْتَانِ.
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
والله اعلم

أحكام الأضحية


الأربعاء، 3 أكتوبر 2012

قال صلى الله عليه وسلم : « الطَّوَافُ حَوْل الْبَيْتِ مِثْلُ الصَّلاَةِ إلاَّ أنَّكُمْ تتكلمون فيه فمن تكلم فيه فلا يتكلم إلا بِخَيْرِ»

سنن الترمڈي- الحاكم- سنن البيهيقي عن/
ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم:
« الطَّوَافُ حَوْل الْبَيْتِ مِثْلُ الصَّلاَةِ إلاَّ أنَّكُمْ
تتكلمون فيه فمن تكلم فيه فلا يتكلم إلا بِخَيْرِ»
[ صحيح ، انظر حديث رقم -٣٩٥٥- في
صحيح الجامع ]
الشرح :
٥٣٤٥ - (الطواف حول البيت) أي الدوران حول الكعبة (مثل الصلاة) في وجوب التطهر له ونحو ذلك (إلا أنكم تتكلمون فيه) أي يجوز لكم ذلك بخلاف الصلاة قال الطيبي: يجوز أن يكون الاستثناء متصلا أي الطواف كالصلاة في الشرائط التي هي الطهارة وغيرها إلا في التكلم ويجوز كونه منقطعا أي الطواف مثل الصلاة لكن رخص لكم في التكلم فيه (فمن تكلم فيه فلا يتكلم) في رواية يتكلمن (إلا بخير) قال ابن عبد الهادي: معناه أن الطواف كالصلاة من بعض الوجوه ويشبه أن معناه أن أجره كأجر الصلاة كما جاء في خبر لا يزال أحدكم في صلاة ما انتظرها قال أهل الأصول: والمسمى الشرعي للفظ أوضح من المسمى اللغوي فيحمل عليه فإن تعذر الشرعي حقيقة فهل يرد إليه بتجوز محافظة على الشرعي ما أمكن أو هو مجمل لتردده بين المجاز الشرعي والمسمى اللغوي أو يحمل على اللغوي تقديما للحقيقة على المجاز؟ أقوال اختار الأكثر منها الأول ومثلوا بهذا الحديث تعذر فيه مسمى الصلاة شرعا فيرد إليه بتجوز بأن يقال كالصلاة في اعتبار الطهارة ونحو النية أو يحمل المسمى على اللغوي وهو الدعاء بخير لاشتمال الطواف -[293]- عليه فلا يعتبر فيه ما ذكر أو هو مجمل لتردده فيه أقوال
(ت ك) في الحج (هق) من حديث جرير عن عطاء بن السائب عن طاوس (عن ابن عباس) قال الحاكم: صحيح وقال: هو والترمذي وقد روي موقوفا على ابن عباس وقال في التحقيق: عطاء اختلط في آخر عمره. قال في التنقيح: وجرير أخذ عنه في آخر عمره وقال ابن عبد الهادي: هذا حديث لا يثبت مرفوعا وقد اختلف الرواة في إسناده ومتنه والصحيح وقفه .

السبت، 29 سبتمبر 2012

تفسير سورة الحجرات آية (٦)

قال سبحانه وتعالى :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦) } [ سورة الحجرات ]

يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه, إن جاءكم فاسق بخبر فتثبَّتوا من خبره قبل تصديقه ونقله حتى تعرفوا صحته؛ خشية أن تصيبوا قومًا برآء بجناية منكم, فتندموا على ذلك.
[ تفسير الميسر ]

فيه سبع مسائل :
الأولى ـ قوله تعالى: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ } قيل: إن هذه الآية نزلت في الوليد بن عُقبة بن أبي مُعَيْط. وسبب ذلك ما رواه سعيد عن قتادة: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عُقبة مُصَدِّقاً إلى بني المُصْطَلِق؛ فلما أبصروه أقبلوا نحوه فهابهم ـ في رواية: لإحْنَة كانت بينه وبينهم ـ؛ فرجع إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبره أنهم قد ارتدّوا عن الإسلام. فبعث نبي الله صلى الله عليه وسلم خالدَ بن الوليد وأمره أن يتثبّت ولا يَعْجَل؛ فانطلق خالد حتى أتاهم ليلاً؛ فبعث عُيُونَه فلما جاءوا أخبروا خالداً أنهم متمسكون بالإسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم؛ فلما أصبحوا أتاهم خالد ورأى صحة ما ذكروه؛ فعاد إلى نبيّ الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فنزلت هذه الآية؛ فكان يقول نبي الله صلى الله عليه وسلم:
" التأنِّي من الله والعجلة من الشيطان "
وفي رواية: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى بني المُصْطَلِق بعد إسلامهم؛ فلما سمعوا به ركبوا إليه، فلما سمع بهم خافهم؛ فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أن القوم قد همّوا بقتله، ومنعوا صدقاتهم. فهمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بغزوِهم، فبينما هم كذلك إذ قدم وفدهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، سمعنا برسولك فخرجنا إليه لنكرمه، ونؤدي إليه ما قِبَلَنَا من الصدقة، فاستمر راجعاً، وبلغنا أنه يزعم لرسول الله أنا خرجنا لنقاتله، واللّهِ ما خرجنا لذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية؛ وسُمِّيَ الوليدُ فاسقاً أي كاذباً. قال ابن زيد ومقاتل وسهل بن عبد الله: الفاسق الكذاب. وقال أبو الحسن الوراق: هو المعلن بالذنب. وقال ابن طاهر: الذي لا يستحي من الله. وقرأ حمزة والكسائي «فتثبتوا» من التثبت. الباقون «فَتَبَيَّنُوا» من التبيين { أَن تُصِيببُواْ } أي لئلا تصيبوا، فـ «ـأن» في محل نصب بإسقاط الخافض. { قَوْمَا بِجَهَالَةٍ } أي بخطأ. { فَتُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } على العجلة وترك التأنّي.
الثانية ـ في هذه الآية دليلٌ على قبول خبر الواحد إذا كان عَدْلاً، لأنه إنما أمر فيها بالتثبت عند نقل خبر الفاسق. ومن ثبت فسقه بطل قوله في الأخبار إجماعاً؛ لأن الخبر أمانة والفسق قرينة يبطلها. وقد استثنى الإجماع من جملة ذلك ما يتعلق بالدعوى والجحود، وإثبات حق مقصود على الغير؛ مثل أن يقول: هذا عبدي؛ فإنه يقبل قوله. وإذا قال: قد أنفذ فلان هذا لك هدية؛ فإنه يقبل ذلك. وكذلك يقبل في مثله خبر الكافر. وكذلك إذا أقرّ لغيره بحق على نفسه فلا يبطل إجماعاً.
وأما في الإنشاء على غيره فقال الشافعي وغيره: لا يكون ولِيًّا في النكاح. وقال أبو حنيفة ومالك: يكون ولِيًّا؛ لأنه يَلِي ما لها فيلي بُضْعَها. كالعدل، وهو وإن كان فاسقاً في دينه إلا أن غيرَتْه موفّرة وبها يحمي الحريم، وقد يبذل المال ويصون الحرمة؛ وإذا وَلِيَ المال فالنكاح أوْلَى.
الثالثة ـ قال ابن العربي: ومن العَجَب أن يجوّز الشافعي ونظراؤه إمامة الفاسق. ومن لا يؤتمن على حبة مالٍ (كيف) يصحّ أن يؤتمن على قنطار دَيْن. وهذا إنما كان أصله أن الولاة الذين كانوا يصلّون بالناس لما فسدت أديانهم ولم يمكن ترك الصلاة وراءهم، ولا اسْتُطِيعت إزالتهم صُلِّيَ معهم ووراءهم؛ كما قال عثمان: الصلاة أحسن ما يفعل الناس؛ فإذا أحسنوا فأحسن، وإذا أساءوا فٱجتنب إساءتهم. ثم كان من الناس من إذا صلّى معهم تَقِيّةً أعادوا الصلاة للّه، ومنهم من كان يجعلها صلاته. وبوجوب الإعادة أقول؛ فلا ينبغي لأحد أن يترك الصلاة مع من لا يرضى من الأئمة، ولكن يعيد سِرًّا في نفسه، ولا يؤثر ذلك عند غيره.
الرابعة ـ وأما أحكامه إن كان والياً فينفذ منها ما وافق الحق ويردّ ما خالفه، ولا ينقض حكمه الذي أمضاه بحال؛ ولا تلتفتوا إلى غير هذا القول من رواية تؤثر أو قول يحكى؛ فإن الكلام كثير والحق ظاهر.
الخامسة ـ لا خلاف في أنه يصح أن يكون رسولاً عن غيره في قول يبلغه أو شيء يوصله، أو إذن يعلمه؛ إذا لم يخرج عن حق المرسِل والمبلِّغ؛ فإن تعلّق به حق لغيرهما لم يقبل قوله. وهذا جائز للضرورة الداعية إليه؛ فإنه لو لم يتصرف بين الخلق في هذه المعاني إلا العدول لم يحصل منها شيء لعدمهم في ذلك. والله أعلم.
السادسة ـ وفي الآية دليل على فساد قول من قال: إن المسلمين كلهم عدول حتى تثبت الجُرحة؛ لأن الله تعالى أمر بالتثبت قبل القبول، ولا معنى للتثبت بعد إنفاذ الحكم؛ فإن حكم الحاكم قبل التثبت فقد أصاب المحكوم عليه بجهالة.
السابعة ـ فإن قضى بما يغلب على الظن لم يكن ذلك عملاً بجهالة؛ كالقضاء بالشاهدين العدلين، وقبول قول العالم المجتهد. وإنما العمل بالجهالة قبول قول من لا يحصل غلبة الظن بقبوله. ذكر هذه المسألة القُشَيْرِي، والذي قبلها المَهْدَوِي.
[ تفسير الجامع لأحكام القرآن - القرطبي ]

ونزل في الوليد بن عقبة وقد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق مصدقا فخافهم لترة كانت بينه وبينهم في الجاهلية فرجع وقال إنهم منعوا الصدقة وهموا بقتله فهمّ النبي صلى الله عليه وسلم بغزوهم فجاؤوا منكرين ما قاله عنهم. { يَاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ } خبر { فَتَبَيَّنُواْ } صدقه من كذبه، وفي قراءة «فتثبتوا» من الثبات { أن تُصِيبُواْ قَوْماً } مفعول له أي خشية ذلك { بِجَهَالَةٍ } حال من الفاعل أي جاهلين { فَتُصْبِحُواْ } تصيروا { عَلَى مَا فَعَلْتُمْ } من الخطأ بالقوم { نَادِمِينَ } وأرسل صلى الله عليه وسلم إليهم بعد عودهم إلى بلادهم خالداً فلم ير فيهم إلا الطاعة والخير فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك .
[ تفسير الجلالين ]

يأمر تعالى بالتثبت في خبر الفاسق ليحتاط له ، لئلا يحكم بقوله فيكون في نفس الأمر - كاذبا أو مخطئا ، فيكون الحاكم بقوله قد اقتفى وراءه ، وقد نهى الله عن اتباع سبيل المفسدين ، ومن هاهنا امتنع طوائف من العلماء من قبول رواية مجهول الحال لاحتمال فسقه في نفس الأمر ، وقبلها آخرون لأنا إنما أمرنا بالتثبت عند خبر الفاسق ، وهذا ليس بمحقق الفسق لأنه مجهول الحال . وقد قررنا هذه المسألة في كتاب العلم من شرح البخاري ، ولله الحمد والمنة .
وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، حين بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على صدقات بني المصطلق . وقد روي ذلك من طرق ، ومن أحسنها ما رواه الإمام أحمد في مسنده من رواية ملك بني المصطلق ، وهو الحارث بن ضرار ، والد جويرية بنت الحارث أم المؤمنين ، رضي الله عنها ، قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن سابق ، حدثنا عيسى بن دينار ، حدثني أبي أنه سمع الحارث بن ضرار الخزاعي يقول : قدمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعاني إلى الإسلام ، فدخلت فيه وأقررت به ، ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها ، وقلت : يا رسول الله ، أرجع إليهم فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة ، فمن استجاب لي جمعت زكاته ، ويرسل إلي رسول الله رسولا لإبان كذا وكذا ليأتيك بما جمعت من الزكاة . فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له ، وبلغ الإبان الذي أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبعث إليه ، احتبس عليه الرسول فلم يأته ، فظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطة من الله ورسوله ، فدعا بسروات قومه ، فقال لهم : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان وقت لي وقتا يرسل إلي رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة ، وليس من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخلف ، ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطة كانت ، فانطلقوا فنأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة ، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق - أي : خاف - فرجع فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، إن الحارث منعني الزكاة وأراد قتلي . فضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البعث إلى الحارث . وأقبل الحارث بأصحابه حتى إذا استقبل البعث وفصل عن المدينة لقيهم الحارث ، فقالوا : هذا الحارث ، فلما [ ص: ٣٧١ ] غشيهم قال لهم : إلى من بعثتم ؟ قالوا : إليك . قال : ولم ؟ قالوا : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان بعث إليك الوليد بن عقبة ، فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله . قال : لا والذي بعث محمدا بالحق ما رأيته بتة ولا أتاني . فلما دخل الحارث على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " منعت الزكاة وأردت قتل رسولي ؟ " . قال : لا والذي بعثك بالحق ما رأيته ولا أتاني ، وما أقبلت إلا حين احتبس علي رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خشيت أن يكون كانت سخطة من الله ورسوله . قال : فنزلت الحجرات : ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ ) إلى قوله : ( حكيم )
ورواه ابن أبي حاتم عن المنذر بن شاذان التمار ، عن محمد بن سابق به . ورواه الطبراني من حديث محمد بن سابق ، به ، غير أنه سماه الحارث بن سرار ، والصواب : الحارث بن ضرار ، كما تقدم .
وقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا جعفر بن عون ، عن موسى بن عبيدة ، عن ثابت مولى أم سلمة ، عن أم سلمة قالت : بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا في صدقات بني المصطلق بعد الوقيعة ، فسمع بذلك القوم ، فتلقوه يعظمون أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت : فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله ، قالت : فرجع إلى رسول الله فقال : إن بني المصطلق قد منعوني صدقاتهم . فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون . قالت : فبلغ القوم رجوعه فأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصفوا له حين صلى الظهر ، فقالوا : نعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله ، بعثت إلينا رجلا مصدقا ، فسررنا بذلك ، وقرت به أعيننا ، ثم إنه رجع من بعض الطريق ، فخشينا أن يكون ذلك غضبا من الله ومن رسوله ، فلم يزالوا يكلمونه حتى جاء بلال فأذن بصلاة العصر ، قالت : ونزلت : ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) .
وروى ابن جرير أيضا من طريق العوفي ، عن ابن عباس في هذه الآية قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق ليأخذ منهم الصدقات ، وإنهم لما أتاهم الخبر فرحوا وخرجوا يتلقون رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنه لما حدث الوليد أنهم خرجوا يتلقونه ، رجع الوليد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، إن بني المصطلق قد منعوا الصدقة . فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذلك غضبا شديدا ، فبينا هو يحدث نفسه أن يغزوهم إذ أتاه الوفد فقالوا : يا رسول الله ، إنا حدثنا أن رسولك رجع من نصف الطريق ، وإنا خشينا أن ما رده كتاب جاء منك لغضب غضبته علينا ، وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله . وإن النبي - صلى الله عليه وسلم - استغشهم وهم بهم ، فأنزل الله عذرهم في الكتاب ، فقال : ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا ) إلى آخر الآية .
[ ص: ٣٧٢ ] وقال مجاهد وقتادة : أرسل رسول الله الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق ليصدقهم ، فتلقوه بالصدقة ، فرجع فقال : إن بني المصطلق قد جمعت لك لتقاتلك زاد قتادة : وإنهم قد ارتدوا عن الإسلام - فبعث رسول الله خالد بن الوليد إليهم ، وأمره أن يتثبت ولا يعجل . فانطلق حتى أتاهم ليلا فبعث عيونه ، فلما جاءوا أخبروا خالدا أنهم مستمسكون بالإسلام ، وسمعوا أذانهم وصلاتهم ، فلما أصبحوا أتاهم خالد فرأى الذي يعجبه ، فرجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره الخبر ، فأنزل الله هذه الآية . قال قتادة : فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " التبين من الله ، والعجلة من الشيطان " .
وكذا ذكر غير واحد من السلف ، منهم : ابن أبي ليلى ، ويزيد بن رومان ، والضحاك ، ومقاتل بن حيان ، وغيرهم في هذه الآية : أنها نزلت في الوليد بن عقبة . [ تفسير ابن كثير ]

والله أعلم

ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم

مسند أحمد بن حنبل- البخاري و مسلم- السنن الأربعه عن / أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رَجُلٌ على فَضِلِ مَاء بالفَلاةِ يَمْنَعُهُ مِن ابْن السَّبيلِ وَرَجُلٌ بايَعَ رَجُلاً بِسِلْعَةٍ بَعْدَ العَصْرِ فَحَلَفَ لَهُ بِاللَّه لأخَذها بِكذا وَكَذَا فَصَدَّقَهُ وَهُوَ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ وَرَجُلٌ بايَعَ إِمَامًا لَا يُبايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيا فإنْ أعْطاهُ منها وفى وإن لم يعطه لَمْ يَفِ
[ صحيح _ انظر حديث رقم -٣٠٦٨- في صحيح جامع ]
الشرح :
٣٥٤٠ - (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة) كلام رضى ورحمة (ولا ينظر إليهم) نظر إنعام وإفضال (ولا يزكيهم) لا يطهرهم من دنس ذنوبهم (ولهم عذاب أليم) مؤلم على ما اجترحوه (رجل على فضل ماء) يعني له ماء فاضل عن حاجته (بالفلاة) أي في المفازة (يمنعه) أي الفاضل من الماء (من ابن السبيل) أي المسافر المضطر للماء لنفسه أو حيوان محترم معه وقوله رجل مرفوع خبر مبتدأ محذوف (و) الثاني من الثلاثة (رجل بايع رجلا) بلفظ الماضي (بسلعة) أي ساوم فيها وروي سلعة بدون باء فعليه يكون بايع بمعنى باع (بعد العصر) خص العصر لكونه وقت نزول الملائكة لرفع أعمال النهار وإذا حلف كاذبا في ذلك الوقت ختم عمل نهاره بعمل سيء فكان جديرا بالإبعاد والطرد عن رب العباد (فحلف له) أي البائع للمشتري (بالله) تعالى (لأخذها) بصيغة الماضي (بكذا وكذا فصدقه) أي المشتري البائع (وهو على غير ذلك) أي والحال أن البائع لم يشترها بما ذكره من الثمن (و) الثالث (رجل بايع إماما) أي عاقد الإمام الأعظم على أن يعمل بالحق ويقيم الحد ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر والحال أنه (لا يبايعه) لا يعاقده (إلا لدنيا) بلا تنوين -[331]- كحبلى أي لغرض دنيوي (فإن) الفاء تفسيرية (أعطاه منها) أي الدنيا (وفا) بالتخفيف للفاء أي ذلك الرجل المبايع بما عاقده عليه (وإن لم يعطه) أي الإمام (منها لم يف) ببيعته لأن الإمامة نيابة عن الله ورسوله فمن عدل في متابعة ذلك النائب عن قانون الشريعة ومنهاج السنة وقصر متابعته له على ما يعطاه دون ملاحظة المبايع عليه فقد خسر خسرانا مبينا وضل ضلالا عظيما واستحق هذا الوعيد الشديد لتركه الواجب عليه من الإخلاص في البيعة. قال الخطابي: الأصل في المبايعة للإمام أن يبايع على أن يعمل بالحق ويقيم الحدود ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فمن جعل مبايعته لما يعطاه دون ملاحظة المقصود فقد دخل في الوعيد
(حم ق 4 عن أبي هريرة) .

الجمعة، 28 سبتمبر 2012

تفسير سورة الفتح آية (١١)


{ سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (11)} [ الفتح ]

سيقول لك -أيها النبي- الذين تخلَّفوا من الأعراب عن الخروج معك إلى "مكة" إذا عاتبتهم: شغلتنا أموالنا وأهلونا, فاسأل ربك أن يغفر لنا تخلُّفنا, يقولون ذلك بألسنتهم, ولا حقيقة له في قلوبهم, قل لهم: فمن يملك لكم من الله شيئًا إن أراد بكم شرًا أو خيرًا؟ ليس الأمر كما ظن هؤلاء المنافقون أن الله لا يعلم ما انطوت عليه بواطنهم من النفاق, بل إنه سبحانه كان بما يعملون خبيرًا, لا يخفى عليه شيء من أعمال خلقه.
[ تفسير الميسر ]

{ سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ } حول المدينة، أي الذين خلفهم الله عن صحبتك لما طلبتهم ليخرجوا معك إلى مكة خوفا من تعرّض قريش لك عام الحديبية إذا رجعت منها { شَغَلَتْنَا أَمْوالُنَا وَأَهْلُونَا } عن الخروج معك { فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا } الله من تَرْك الخروج معك قال تعالى مكذبا لهم: { يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ } أي من طلب الاستغفار وما قبله و { مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ } فهم كاذبون في اعتذراهم { قُلْ فَمَن } استفهام بمعنى النفي أي لا أحد { يَمْلِكُ لَكُمْ مّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً } بفتح الضاد وضمها { أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } أي لم يزل متصفاً بذلك.
[ تفسير الجلالين ]

قوله تعالى: { سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ } قال مجاهد وابن عباس: يعني أعراب غِفار ومُزَيْنة وجُهينة وأَسْلم وأشْجَع والدِّيل؛ وهم الأعراب الذين كانوا حول المدينة؛ تخلّفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد السفر إلى مكة عام الفتح، بعد أن كان استنفرهم ليخرجوا معه حَذَراً من قريش، وأحرم بعُمْرَةٍ وساق معه الهَدْيَ؛ ليعلم الناس أنه لا يريد حرباً فتثاقلوا عنه واعتلّوا بالشّغل؛ فنزلت. وإنما قال: «الْمُخَلّفُونَ» لأن الله خلّفهم عن صحبة نبيّه. والمخلَّف المتروك. وقد مضى في «براءة». { شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا } أي ليس لنا من يقوم بهما. { فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا } جاءوا يطلبون الاْستغفار وٱعتقادُهم بخلاف ظاهرهم؛ ففضحهم الله تعالى بقوله: { يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ } وهذا هو النفاق المحض. { قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً } قرأ حمزة والكسائي «ضُرًّا» بضم الضاد هنا فقط؛ أي أمراً يضركم. وقال ٱبن عباس: الهزيمة. الباقون بالفتح؛ وهو مصدر ضررته ضَرًّا. وبالضم ٱسم لما ينال الإنسان من الهزال وسوء الحال. والمصدر يؤدّي عن المرّة وأكثر. وٱختاره أبو عبيد وأبو حاتم، قالا: لأنه قابله بالنفع وهو ضدّ الضرّ. وقيل: هما لغتان بمعنًى؛ كالفَقْر والفُقْر والضَّعْف والضُّعْف. { أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً } أي نصراً وغَنِيمة. وهذا ردّ عليهم حين ظنوا أن التخلف عن الرسول يدفع عنهم الضر ويعجِّل لهم النفع.
[ تفسير الجامع لأحكام القرآن - القرطبي ]

[ ص: 337 ] يقول تعالى مخبرا رسوله - صلوات الله وسلامه عليه - بما يعتذر به المخلفون من الأعراب الذين اختاروا المقام في أهليهم وشغلهم ، وتركوا المسير مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاعتذروا بشغلهم بذلك ، وسألوا أن يستغفر لهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وذلك قول منهم لا على سبيل الاعتقاد ، بل على وجه التقية والمصانعة ; ولهذا قال تعالى : ( يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا ) أي : لا يقدر أحد أن يرد ما أراده فيكم تعالى وتقدس ، وهو العليم بسرائركم وضمائركم ، وإن صانعتمونا وتابعتمونا ; ولهذا قال : ( بل كان الله بما تعملون خبيرا ) .
[ تفسير ابن كثير ]

السؤال: فيما يتعلق بالآية/79 من سورة البقرة

السؤال: فيما يتعلق بالآية/79 من سورة البقرة ( فويل للدين يكتبون الكتاب بأيديهم ...)، ما الذي كانوا يجنونه من تغيير وتحريف الكتب بعد نزولها ، وهل المعنى المقصود من كلمة ( بيع ) أنهم كانوا يبيعون تلك الكتب المحرفة للناس ليتكسبوا منها أرباحا من بيعها ؟

الجواب :
الحمد لله

توعد الله تعالى في هذه الآية أولئك المحرفين للكتاب ، المبدلين للشرائع ، الخائنين لأمانة العلم والدين : بالويل والعذاب والهلاك يوم القيامة ، فقد حرفوا بالزيادة والنقصان ، وقالوا هذا من عند الله كذبا وزورا ، وغرضهم بذلك التحريف أن ينالوا من حطام الدنيا الفانية، وذلك يتمثل بأمور عدة :

أولا : جاه الدنيا بالاحتفاظ بمناصب الرئاسة التي كان يتمتع بها كبراء اليهود وأحبارهم ، فقد علموا أنهم إن آمنوا وأسلموا فقد أقروا بزعامة النبي الجديد ، وفقدوا بذلك ما كانوا يتكبرون ويتعالون به على الناس ، وانصرف عنهم أتباعهم لاتباع النبي الجديد ، فحذفوا من كتبهم كل بشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وكتموا ما لديهم من علم في هذا الشأن ، فاشتروا الدنيا الفانية بالآخرة الباقية .

قال البغوي رحمه الله :

" وذلك أن أحبار اليهود خافوا ذهاب مأكلتهم ، وزوال رياستهم ، حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، فاحتالوا في تعويق اليهود عن الإيمان به ، فعمدوا إلى صفته في التوراة ، وكانت صفته فيها : حسن الوجه ، حسن الشعر ، أكحل العينين ، ربعة ، فغيروها وكتبوا مكانها : طوال ، أزرق ، سبط الشعر ، فإذا سألهم سفلتهم عن صفته قرءوا ما كتبوا فيجدونه مخالفا لصفته ، فيكذبونه وينكرونه ، قال الله تعالى : ( فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ ) يعني ما كتبوا " انتهى.

" معالم التنزيل " (1/115)

وقال القرطبي رحمه الله :

" قال ابن إسحاق والكلبي : كانت صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابهم ربعة أسمر ، فجعلوه آدم سبطا طويلا ، وقالوا لأصحابهم وأتباعهم : انظروا إلى صفة النبي صلى الله عليه وسلم الذي يبعث في آخر الزمان ليس يشبهه نعت هذا ، وكانت للأحبار والعلماء رياسة ومكاسب ، فخافوا إن بينوا أن تذهب مآكلهم ورياستهم ، فمن ثم غيروا " انتهى.

" الجامع لأحكام القرآن " (2/9)

ثانيا : المال القليل مقابل صحف وكتب كتبها بعض أحبار أهل الكتاب بأيديهم لبيعها على بعض جهلة الناس فيتكسبوا من وراء ذلك ، وكان من بخلهم وخيانتهم أن غشوهم في كلام الله عز وجل ، فقالوا هذه الكتب من عند الله وما هي من عند الله .

قال قتادة رحمه الله :

" كان ناس من بني إسرائيل كتبوا كتابا بأيديهم ليتأكلوا الناس ، فقالوا : هذا من عند الله ، وما هو من عند الله " انتهى.

ويقول السدي رحمه الله :

" كان ناس من اليهود كتبوا كتابا من عندهم يبيعونه من العرب ، ويحدثونهم أنه مِن عند الله ، ليأخذوا به ثمنا قليلا " انتهى.

" جامع البيان " (2/270-271)

وذكر العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله وجهين آخرين من أوجه الأطماع الدنيوية التي حملت بعض أهل الكتاب على تحريف كتبهم ، فقال رحمه الله :

" الثمن المقصود هنا هو إرضاء العامة ، بأن غيروا لهم أحكام الدين على ما يوافق أهواءهم . أو انتحال العلم لأنفسهم مع أنهم جاهلون ، فوضعوا كتبا تافهة من القصص والمعلومات البسيطة ليتفيهقوا بها في المجامع ؛ لأنهم لما لم تصل عقولهم إلى العلم الصحيح ، وكانوا قد طمعوا في التصدر والرئاسة الكاذبة ، لفقوا نتفا سطحية ، وجمعوا موضوعات وفراغات لا تثبت على محك العلم الصحيح ، ثم أشاعوها ، ونسبوها إلى الله ودينه ، وهذه شنشنة الجهلة المتطلعين إلى الرئاسة عن غير أهلية ، ليظهروا في صور العلماء لدى أنظار العامة ومن لا يميز بين الشحم والورم " انتهى.

" التحرير والتنوير " (1/577)

والله أعلم .
الرابط
http://islamqa.info/ar/ref/141772
الإسلام سؤال وجواب

الخميس، 27 سبتمبر 2012

لماذا شبّه الله الدنيا بالماء فى القرآن الكريم ؟!

{ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)} [ سورة يونس ]
{ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥)} [ سورة الكهف ]

لماذا شبّه الله الدنيا بالماء فى القرآن الكريم ؟!

إِخْوَتِي فِي الْلَّه ..
فِي الْآَيَات الْسَّابِقَة شَبَّه الْلَّه تَعَالَى الْدُّنْيَا بِالْمَاء : فَلِمَاذَا هَذَا التَّشْبِيْه ؟!
فَلْنَقْرَأ مُتَأَمِّلِين فِيْمَا قِيَل :
لماذا شبّه الله الدنيا بالماء
قِيَل لِأَن الْمَاء لَيْس لَه قَرَار وَكَذَلِك الْدُّنْيَا
وَقِيْل لِأَن الْمَاء إِن أَمْسَكْتَه تَغَيَّر وَنَتْن وَكَذَلِك الْدُّنْيَا لِمَن أَمْسَكَهَا بَلِيَّة
وَقِيْل لِأَن الْمَاء يَأْتِى قَطْرَة قَطْرَة وَيُذْهِب دُفْعَة وَاحِدَة وَكَذَلِك الْدُّنْيَا
وَأَيْضا الْمَاء يَسْتُر الْأَرْض وَكَذَلِك الْمَال ( وَهُو رَمْز لِلْدُّنْيَا )
يُغَطَّى عَيْب الْرَّجُل
وَأَيْضا الْمَاء طَبْعُه الْنُّقْصَان كَذَلِك الْدُّنْيَا
وَأَيْضا الْمَاء يَكُوْن فِى مَوْضِع كَثِيْر وَفِى مَوْضِع قَلِيْل كَذَلِك الْدُّنْيَا
وَأَيْضا لَا يَقْدِر أَحَد أَن يَرُد الْمَطَر كَذَلِك لَا يَقْدِر أَحَد أَن يَرُد الْرِّزْق
وَقِيْل الْمَاء قَلِيْلُه رَى لِلْعَطْشَان وَكَثِيْرِه دَاء كَذَلِك الْدُّنْيَا
وَقِيْل الزَّرْع يُفْسِد بِالْمَاء الْكَثِيْر كَذَلِك الْقَلْب يُفْسِد بِالْمَال الْكَثِيْر
وَأَيْضا الْمَاء كُلَّه لَا يَكُوْن صَافِيا كَذَلِك الْمَال فِيْه الْحَلَال وَالْحَرَام وَالْشُّبْهَة
وَأَيْضا الْمَاء يُطَهِّر الْنَّجَاسَات كَذَلِك الْمَال الْطَّيِّب الْحَلَال يُطَهِّر دَنَس الْآَثَام .
قَـــــــــال الْلَّه تَعَالَى :
{ خُذ مِن أَمْوَالِهِم صَدَقَة تُطَهِّرُهُم وَتُزَكِّيْهِم بِهَا } [الْتَّوْبَة: مِن الْآَيَة103]
وَعَلَى الْجُمْلَة فَإِن هَذَا التَّشْبِيْه يُفِيْد أَن:
كَلَّا مِن الْمُشَبَّه وَالْمُشَبَّه بِه (الْدُّنْيَا وَالْمَاء) إِذَا نَزَل وَأَثْمَر ثَمَرَتُه
يَمْكُث مَا شَاء الْلَّه وَهُو فِى إِقْبَال وَبَرَكَة ثُم عَمَّا قَلِيْل يَضْمَحِل وَيَزُوْل وَالْعِلْم عِنْد الْلَّه تَعَالَى .
فَاجْعَل أَخِي / أُخْتِي فِي الْلَّه نَفْسِك فِي الْدُّنْيَا
كَمَا دَلَّنَا رَسُوْلُنَا الْكَرِيم عَلَيْه الْصَّلَاة وَالْسَّلَام
فِي قَـــــــــــــوْلِه :
" مَالِي وَلِلْدُّنْيَا ؟ مَا أَنَا فِي الْدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِب اسْتَظَل تَحْت شَجَرَة ، ثُم رَاح وَتَرَكَهَا ."
صَحِيْح الْأَلْبَانِي
وَلَقَد جَاء فِي الْأَثَر
مِن وَصَايَا عِيْسَى عَلَيْه الْسَّلَام :
[ الْدُّنْيَا قِنْطَرَة فَاعْبُرُوْهَا وَلَا تَعْمُرُوهَا ]
وَقَوْلُه أَيْضا :
[ مَن ذَا الَّذِي يَبْنِي فَوْق مَوْج الْبَحْر دَارا ؟!
تِلْكُم الْدُّنْيَا فَلَا تَتَّخِذُوْهَا قَرَارا ]
وَقِيْل لِنُوْح عَلَيْه الْسَّلَام :
يَا أَطْوَل الْأَنْبِيَاء عُمْرَا كَيْف رَأَيْت الْدُّنْيَا ؟ ..
قَــــــــــــــــــــال :
[ كَدَّار لَهَا بَابَان دَخَلْت مِن أَحَدِهِمَا وَخَرَجْت مِن الْآَخَر ]
فَطُوْبَى لِمَن كَان صَمْتُه فِكْرَا وَنَظَرِه عِبْرَة
جَعَلَنِي الْلَّه وَإِيَّاكُم مِنْهُم .
والله اعلم

المصدر: مواقع و منتديات
http://www.sabayacafe.com/article.php?supertype=8&type=48&id=14494

الاثنين، 24 سبتمبر 2012

تدبر الآيتين [يونس ٢٤ - الكهف ٤٥]

{ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)} [ سورة يونس ]
إنما مثل الحياة الدنيا وما تتفاخرون به فيها من زينة وأموال, كمثل مطر أنزلناه من السماء إلى الأرض, فنبتت به أنواع من النبات مختلط بعضها ببعض مما يقتات به الناس من الثمار, وما تأكله الحيوانات من النبات, حتى إذا ظهر حُسْنُ هذه الأرض وبهاؤها, وظن أهل هذه الأرض أنهم قادرون على حصادها والانتفاع بها, جاءها أمرنا وقضاؤنا بهلاك ما عليها من النبات, والزينة إما ليلا وإما نهارًا, فجعلنا هذه النباتات والأشجار محصودة مقطوعة لا شيء فيها, كأن لم تكن تلك الزروع والنباتات قائمة قبل ذلك على وجه الأرض, فكذلك يأتي الفناء على ما تتباهَون به من دنياكم وزخارفها فيفنيها الله ويهلكها. وكما بيَّنا لكم -أيها الناس- مَثَلَ هذه الدنيا وعرَّفناكم بحقيقتها, نبيِّن حججنا وأدلتنا لقوم يتفكرون في آيات الله, ويتدبرون ما ينفعهم في الدنيا والآخرة.
[ تفسير الميسر ]
{ إِنَّمَا مَثَلُ } صفة { ٱلْحَيَواةِ ٱلْدُّنْيَا كَمَاءٍ } مطرٍ { أَنزَلْنـَاهُ مِنَ ٱلسَّمآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ } بسببه { نَبَاتُ ٱلأَرْضِ } واشتبك بعضه ببعض { مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ } من البُرِّ والشعير وغيرهما { وَٱلأَنْعَامُ } من الكلأ { حَتَّى إِذآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا } بهجتها من النبات { وَٱزَّيَّنَتْ } بالزهر، وأصله: (تزينت)، أُبدلت التاء زاياً وأدغمت في الزاي { وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا } متمكنون من تحصيل ثمارها { أَتـَاهَا أَمْرُنَا } قضاؤنا أو عذابنا { لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا } أي زرعها { حَصِيداً } كالمحصود بالمناجل { كَأَنَ } مخففة أي كأنها { لَّمْ تَغْنَ } تكن { بِٱلأَمْسِ كَذالِكَ نُفَصِّلُ } نبيِّن { ٱلأَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }. تفسير الجلالين

قوله تعالى: { إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ } معنى الآية التشبيه والتمثيل، أي صفة الحياة الدنيا في فنائها وزوالها وقلة خطرها والملاذ بها كماء؛ أي مثل ماء، فالكاف في موضع رفع. وسيأتي لهذا التشبيه مزيد بيان في «الكهف» إن شاء الله تعالى. «أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ» نعت لـ «ماء». { فَٱخْتَلَطَ } روي عن نافع أنه وقف على «فَٱخْتَلَطَ» أي فاختلط الماء بالأرض، ثم ابتدأ «بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ» أي بالماء نبات الأرض؛ فأخرجت ألواناً من النبات، فنبات على هذا ابتداء، وعلى مذهب من لم يقف على «فَاخْتَلَطَ» مرفوع باختلط؛ أي ٱختلط النبات بالمطر، أي شرب منه فتندّى وحَسُن وٱخضرّ. والاختلاط تداخل الشيء بعضه في بعض.

قوله تعالى: { مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ } من الحبوب والثمار والبقول. { وَٱلأَنْعَامُ } من الكلإ والتبن والشعير. { حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا } أي حسنها وزينتها. والزخرف كمال حسن الشيء؛ ومنه قيل للذهب: زخرف. { وَٱزَّيَّنَتْ } أي بالحبوب والثمار والأزهار؛ والأصل تزينت أدغمت التاء في الزاي وجيء بألف الوصل؛ لأن الحرف المدغم مقام حرفين الأوّل منهما ساكن والساكن لا يمكن الابتداء به. وقرأ ٱبن مسعود وأُبيّ بن كعب «وتزينت» على الأصل. وقرأ الحسن والأعرج وأبو العالية «وأَزْيَنَت» أي أتت بالزينة عليها، أي الغَلّة والزرع؛ وجاء بالفعل على أصله ولو أعلّه لقال وٱزّانت. وقال عوف بن أبي جميلة الأعرابي: قرأ أشياخنا «وٱزْيانّت» وزنه ٱسوادّت. وفي رواية المُقَدّمي «وٱزّاينت» والأصل فيه تزاينت، وزنه تقاعست ثم أدغم. وقرأ الشعبيّ وقتادة «وأزْينت» مثل أفعلت. وقرأ أبو عثمان النَّهدِيّ «وٱزْيَنَتْ» مثل ٱفعلت، وعنه أيضاً «وٱزيانت» مثل ٱفعالت، وروي عنه «ٱزيأنت» بالهمزة؛ ثلاث قراءات.

قوله تعالى: { وَظَنَّ أَهْلُهَآ } أي أيقن. { أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ } أي على حصادها والانتفاع بها؛ أخبر عن الأرض والمعنِيّ النبات إذا كان مفهوماً وهو منها. وقيل: ردّ إلى الغلة، وقيل: إلى الزينة. { أَتَاهَآ أَمْرُنَا } أي عذابنا، أو أمرنا بهلاكها. { لَيْلاً أَوْ نَهَاراً } ظرفان. { فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً } مفعولان، أي محصودة مقطوعة لا شيء فيها. وقال «حَصيداً» ولم يؤنّث لأنه فعيل بمعنى مفعول. قال أبو عبيد: الحصيد المستأصَل. { كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ } أي لم تكن عامرة؛ من غَنِي إذا أقام فيهِ وعمرَه. والمغاني في اللغة: المنازل التي يعمرها الناس. وقال قتادة: كأن لم تنعم. قال لبِيد:
وغَنِيتُ سَبْتاً قبل مَجْرَى داحسٍ لو كان للنفس اللَّجُوج خلودُ
وقراءة العامة «تَغْنَ» بالتاء لتأنيث الأرض. وقرأ قتادة «يغن» بالياء، يذهب به إلى الزخرف؛ يعني فكما يهلك هذا الزرع هكذا كذلك الدنيا. { نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ } أي نبيّنُها. { لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } في آيات الله.
تفسير الجامع لأحكام القرآن القرطبي

مسألة: الجزء الرابع التحليل الموضوعي
( إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون ( ٢٤ ) والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ( ٢٥ ) ) [ ص: ٢٦٠ ]
ضرب [ تبارك و ] تعالى مثلا لزهرة الحياة الدنيا وزينتها وسرعة انقضائها وزوالها ، بالنبات الذي أخرجه الله من الأرض بما أنزل من السماء من الماء ، مما يأكل الناس من زرع وثمار ، على اختلاف أنواعها وأصنافها ، وما تأكل الأنعام من أب وقضب وغير ذلك ، ( حتى إذا أخذت الأرض زخرفها ) أي : زينتها الفانية ، ( وازينت ) أي : حسنت بما خرج من رباها من زهور نضرة مختلفة الأشكال والألوان ، ( وظن أهلها ) الذين زرعوها وغرسوها ( أنهم قادرون عليها ) أي : على جذاذها وحصادها فبينا هم كذلك إذ جاءتها صاعقة ، أو ريح باردة ، فأيبست أوراقها ، وأتلفت ثمارها ؛ ولهذا قال تعالى : ( أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا ) أي : يبسا بعد [ تلك ] الخضرة والنضارة ، ( كأن لم تغن بالأمس ) أي : كأنها ما كانت حسناء قبل ذلك .
وقال قتادة : ( كأن لم تغن ) كأن لم تنعم .
وهكذا الأمور بعد زوالها كأنها لم تكن ؛ ولهذا جاء في الحديث يؤتى بأنعم أهل الدنيا ، فيغمس في النار غمسة ثم يقال له : هل رأيت خيرا قط ؟ [ هل مر بك نعيم قط ؟ ] فيقول : لا . ويؤتى بأشد الناس عذابا في الدنيا فيغمس في النعيم غمسة ، ثم يقال له : هل رأيت بؤسا قط ؟ فيقول : لا "
وقال تعالى إخبارا عن المهلكين : ( فأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها ) [ هود : ٩٤ ، ٩٥ ] .
ثم قال تعالى : ( كذلك نفصل الآيات ) أي : نبين الحجج والأدلة ، ( لقوم يتفكرون ) فيعتبرون بهذا المثل في زوال الدنيا من أهلها سريعا مع اغترارهم بها ، وتمكنهم بمواعيدها وتفلتها منهم ، فإن من طبعها الهرب ممن طلبها ، والطلب لمن هرب منها ، وقد ضرب الله مثل الحياة الدنيا بنبات الأرض ، في غير ما آية من كتابه العزيز ، فقال في سورة الكهف : ( واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا ) [ الكهف : ٤٥ ] ، وكذا في سورة الزمر والحديد يضرب بذلك مثل الحياة الدنيا كماء .
وقال ابن جرير : حدثني الحارث حدثنا عبد العزيز ، حدثنا ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال : سمعت مروان - يعني : ابن [ ص: ٢٦١ ] الحكم - يقرأ على المنبر : " وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها " ، قال : قد قرأتها وليست في المصحف فقال عباس بن عبد الله بن عباس : هكذا يقرؤها ابن عباس . فأرسلوا إلى ابن عباس فقال : هكذا أقرأني أبي بن كعب .
وهذه قراءة غريبة ، وكأنها زيادة للتفسير .
وقوله : ( والله يدعو إلى دار السلام ) الآية : لما ذكر تعالى الدنيا وسرعة [ عطبها و ] زوالها ، رغب في الجنة ودعا إليها ، وسماها دار السلام أي : من الآفات ، والنقائص والنكبات ، فقال : ( والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) .
قال أيوب عن أبي قلابة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " قيل لي : لتنم عينك ، وليعقل قلبك ، ولتسمع أذنك فنامت عيني ، وعقل قلبي ، وسمعت أذني . ثم قيل : سيد بنى دارا ، ثم صنع مأدبة ، وأرسل داعيا ، فمن أجاب الداعي دخل الدار ، وأكل من المأدبة ، ورضي عنه السيد ، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ، ولم يأكل من المأدبة ، ولم يرض عنه السيد فالله السيد ، والدار الإسلام ، والمأدبة الجنة ، والداعي محمد صلى الله عليه وسلم .
وهذا حديث مرسل ، وقد جاء متصلا من حديث الليث ، عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال ، عن جابر بن عبد الله ، رضي الله عنه ، قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال : " إني رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي ، وميكائيل عند رجلي ، يقول أحدهما لصاحبه : اضرب له مثلا . فقال : اسمع سمعت أذنك ، واعقل عقل قلبك ، إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ دارا ، ثم بنى فيها بيتا ، ثم جعل فيها مأدبة ، ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامه ، فمنهم من أجاب الرسول ، ومنهم من تركه ، فالله الملك ، والدار الإسلام ، والبيت الجنة ، وأنت يا محمد الرسول ، فمن أجابك دخل الإسلام ، ومن دخل الإسلام دخل الجنة ، ومن دخل الجنة أكل منها " رواه ابن جرير .
وقال قتادة : حدثني خليد العصري ، عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من يوم طلعت فيه شمسه إلا وبجنبتيها ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين : يا أيها الناس ، [ ص: ٢٦٢ ] هلموا إلى ربكم ، إن ما قل وكفى ، خير مما كثر وألهى " . قال : وأنزل ذلك في القرآن ، في قوله : ( والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) رواه ابن أبي حاتم ، وابن جرير . [ تفسير ابن كثير ]

{ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥)} [ سورة الكهف ]
واضرب أيها الرسول للناس - وبخاصة ذوو الكِبْر منهم - صفة الدنيا التي اغترُّوا بها في بهجتها وسرعة زوالها، فهي كماء أنزله الله من السماء فخرج به النبات بإذنه، وصار مُخْضرًّا، وما هي إلا مدة يسيرة حتى صار هذا النبات يابسًا متكسرًا تنسفه الرياح إلى كل جهة. وكان الله على كل شيء مقتدرًا، أي: ذا قدرة عظيمة على كل شيء.
[ تفسير الميسر ]

{ وَٱضْرِبْ } صيِّر { لَهُمْ } لقومك { مَّثَلُ ٱلْحَيَواةِ ٱلدُّنْيَا } مفعول أول { كَمَآءٍ } مفعول ثان { أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ } تكاثف بسبب نزول الماء { نَبَاتُ ٱلأَرْضِ } أو امتزج الماء بالنبات فَرَوِيَ وحَسُنَ { فَأَصْبَحَ } صار النبات { هَشِيمًا } يابساً متفرّقة أجزاؤه { تَذْرُوهُ } تنثره وتفرّقه { ٱلرّيَاحُ } فتذهب به، المعنى: شبَّه الدنيا بنبات حسن فيبس فتكسر ففرّقته الرياح، وفي قراءة «الريح» { وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقْتَدِرًا } قادراً.
[ تفسير الجلالين ]

قوله تعالى: { وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا } أي صف لهؤلاء المتكبرين الذين سألوك طرد فقراء المؤمنين مَثلَ الحياة الدنيا، أي شبهها. { كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ } أي بالماء. { نَبَاتُ ٱلأَرْضِ } حتى استوى. وقيل: إن النبات اختلط بعضه ببعض حين نزل عليه الماء؛ لأن النبات إنما يختلط ويكثر بالمطر. وقد تقدّم هذا المعنى في «يونس» مبيَّناً. وقالت الحكماء: إنما شبّه تعالى الدنيا بالماء لأن الماء لا يستقر في موضع، كذلك الدنيا لا تبقى على واحد، ولأن الماء لا يستقيم على حالة واحدة كذلك الدنيا، ولأن الماء لا يبقى ويذهب كذلك الدنيا تفنى، ولأن الماء لا يقدر أحد أن يدخله ولا يبتلّ كذلك الدنيا لا يسلم أحد دخلها من فتنتها وآفتها، ولأن الماء إذا كان بقدرٍ كان نافعاً مُنْبِتًا، وإذا جاوز المقدار كان ضاراً مهلكاً، وكذلك الدنيا الكفافُ منها ينفع وفضولها يضرّ. وفي حديث النبيّ صلى الله عليه وسلم: قال له رجل: يا رسول الله، إني أريد أن أكون من الفائزين؛ قال:
" ذَرِ الدنيا وخُذ منها كالماء الراكد فإن القليل منها يكفي والكثير منها يُطغي ".
وفي صحيح مسلم عن النبيّ صلى الله عليه وسلم:
" قد أفلح من أسلم ورُزق كفافاً وقنعه الله بما آتاه ".
{ فَأَصْبَحَ } أي النبات { هَشِيماً } أي متكسّراً من اليُبس متفتِّتاً، يعني بانقطاع الماء عنه، فحذف ذلك إيجازاً لدلالة الكلام عليه. والهَشْم: كسر الشيء اليابس. والهشيم من النبات اليابس المتكسر، والشجرة البالية يأخذها الحاطب كيف يشاء. ومنه قولهم: ما فلانٌ إلا هشِيمةُ كَرْمٍ؛ إذا كان سَمْحا. ورجل هَشِيم: ضعيف البدن. وتهشّم عليه فلان إذا تعطّف. واهتشم ما في ضرع الناقة إذا احتلبه. ويقال: هَشَمَ الثَّرِيد؛ ومنه سُمِّيَ هاشم بن عبد مناف واسمه عمرو، وفيه يقول عبد الله بن الزِّبعْرَى:
عَمْرُو العُلاَ هَشَم الثريدَ لقومه ورجالُ مكّةَ مُسْنِتُون عجِافُ
وكان سبب ذلك أن قريشاً أصابتهم سِنونَ ذهبْن بالأموال فخرج هاشم إلى الشأم فأمر بخبز كثير فخبز له، فحمله في الغرائر على الإبل حتى وافى مكة، وهشم ذلك الخبز، يعني كسره وثَردَه، ونحر تلك الإبل، ثم أمر الطُّهاة فطبخوا، ثم كفأ القدور على الجفان فأشبع أهل مكة؛ فكان ذلك أول الحِباء بعد السنة التي أصابتهم؛ فسمِّيَ بذلك هاشماً. { تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ } أي تفرقه؛ قاله أبو عبيدة. ٱبن قتيبة: تنسفه. ابن كَيْسان: تذهب به وتجيء. ابن عباس: تديره؛ والمعنى متقارب. وقرأ طلحة بن مُصَرِّف «تذريه الريح». قال الكسائي: وفي قراءة عبد الله «تُذريه». يقال: ذَرَتْه الريح تَذْرُوه ذَرْوًا و (تَذرِيه) ذَرْيا وأذرته تُذْريه إذْراء إذا طارت به. وحكى الفراء: أذريت الرجل عن فرسه أي قلبته. وأنشد سيبويه والفراء:
فقلت له صَوِّبْ ولا تَجهدَنَّهُ فُيُذْرِك من أُخْرَى القَطاةِ فَتَزْلَقِ
قوله تعالى: { وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً } من الإنشاء والإفناء والإحياء، سبحانه!
[ تفسير الجامع لأحكام القرآن القرطبي ]

مسألة: الجزء الخامس التحليل الموضوعي
( واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا ( ٤٥ ) المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا ( ٤٦ ) ) .
[ ص: ١٦١ ]
يقول تعالى : ( واضرب ) يا محمد للناس ( مثل الحياة الدنيا ) في زوالها وفنائها وانقضائها ( كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض ) أي : ما فيها من الحب ، فشب وحسن ، وعلاه الزهر والنور والنضرة ثم بعد هذا كله ( فأصبح هشيما ) يابسا ( تذروه الرياح ) أي : تفرقه وتطرحه ذات اليمين وذات الشمال ( وكان الله على كل شيء مقتدرا ) أي : هو قادر على هذه الحال ، وهذه الحال ، وكثيرا ما يضرب الله مثل الحياة الدنيا بهذا المثل كما في سورة " يونس " : ( إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت ) الآية [ يونس : ٢٤ ] ، وقال في سورة " الزمر " : ( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب ) [ الزمر : ٢١ ] ، وقال في سورة " الحديد " : ( اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) [ الحديد : ٢٠ ] .
وفي الحديث الصحيح : " الدنيا حلوة خضرة " وقوله : ( المال والبنون زينة الحياة الدنيا ) كقوله ( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب ) [ آل عمران : ١٤ ] ، وقال تعالى : ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم ) [ التغابن : ١٥ ] أي : الإقبال عليه والتفرغ لعبادته ، خير لكم من اشتغالكم بهم والجمع لهم ، والشفقة المفرطة عليهم ؛ ولهذا قال : ( والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا ) قال ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، وغير واحد من السلف : " الباقيات الصالحات " الصلوات الخمس .
وقال عطاء بن أبي رباح ، وسعيد بن جبير ، عن ابن عباس : " الباقيات الصالحات " سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر .
وهكذا سئل أمير المؤمنين عثمان بن عفان - رضي الله عنه - عن : " الباقيات الصالحات " ما هي ؟ فقال : هي لا إله إلا الله ، وسبحان الله ، والحمد لله ، والله أكبر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
رواه الإمام أحمد :
حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ ، حدثنا حيوة ، أنبأنا أبو عقيل ، أنه سمع الحارث مولى عثمان - رضي الله عنه - يقول : جلس عثمان يوما وجلسنا معه ، فجاءه المؤذن ، فدعا بماء في إناء ، أظنه أنه سيكون فيه مد ، فتوضأ ثم قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وضوئي هذا ، ثم قال : " من توضأ وضوئي هذا ، ثم قام فصلى صلاة الظهر ، غفر له ما كان بينها وبين الصبح ، ثم صلى العصر غفر له ما بينها وبين الظهر ، ثم صلى المغرب غفر له ما بينها وبين العصر ، ثم صلى العشاء غفر له ما [ ص: ١٦٢ ] بينها وبين المغرب ، ثم لعله يبيت يتمرغ ليلته ، ثم إن قام فتوضأ وصلى صلاة الصبح ، غفر له ما بينها وبين صلاة العشاء وهي الحسنات يذهبن السيئات " قالوا : هذه الحسنات فما الباقيات الصالحات يا عثمان ؟ قال : هي لا إله إلا الله ، وسبحان الله ، والحمد لله ، والله أكبر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله تفرد به .
وروى مالك ، عن عمارة بن عبد الله بن صياد عن سعيد بن المسيب قال : " الباقيات الصالحات " سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
وقال محمد بن عجلان ، عن عمارة قال : سألني سعيد بن المسيب عن " الباقيات الصالحات " فقلت : الصلاة والصيام . قال : لم تصب . فقلت : الزكاة والحج . فقال : لم تصب ، ولكنهن الكلمات الخمس : لا إله إلا الله ، والله أكبر ، وسبحان الله ، والحمد لله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
وقال ابن جريج : أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن نافع عن سرجس ، أنه أخبره أنه سأل ابن عمر عن : ( والباقيات الصالحات ) قال : لا إله إلا الله ، والله أكبر ، [ وسبحان الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله . قال ابن جريج : وقال عطاء بن أبي رباح مثل ذلك .
وقال مجاهد : ( والباقيات الصالحات ) سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ] .
وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن الحسن وقتادة في قوله : " الباقيات الصالحات " قال : لا إله إلا الله ، والله أكبر ، والحمد لله ، وسبحان الله ، هن الباقيات الصالحات .
قال ابن جرير : وجدت في كتابي عن الحسن بن الصباح البزار ، عن أبي نصر التمار ، عن عبد العزيز بن مسلم ، عن محمد بن عجلان ، عن سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، من الباقيات الصالحات " .
قال : وحدثني يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرنا عمرو بن الحارث أن دراجا أبا السمح حدثه ، عن ابن الهيثم ، عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " استكثروا من الباقيات الصالحات " . قيل : وما هي يا رسول الله ؟ قال : " الملة " . قيل : وما هي يا رسول الله ؟ قال : " التكبير ، والتهليل ، والتسبيح ، والحمد لله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله " .
وهكذا رواه أحمد ، من حديث دراج ، به .
وبه قال ابن وهب : أخبرني أبو صخر أن عبد الله بن عبد الرحمن ، مولى سالم بن عبد الله [ ص: ١٦٣ ] حدثه قال : أرسلني سالم إلى محمد بن كعب القرظي ، فقال : قل له : القني عند زاوية القبر فإن لي إليك حاجة . قال : فالتقيا ، فسلم أحدهما على الآخر ، ثم قال سالم : ما تعد الباقيات الصالحات ؟ فقال : لا إله إلا الله ، وسبحان الله ، والله أكبر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، فقال له سالم : متى جعلت فيها " لا حول ولا قوة إلا بالله ؟ " فقال : ما زلت أجعلها . قال : فراجعه مرتين أو ثلاثا ، فلم ينزع ، قال فأبيت قال سالم : أجل فأبيت فإن أبا أيوب الأنصاري حدثني أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم هو يقول : " عرج بي إلى السماء فأريت إبراهيم عليه السلام ، فقال : يا جبريل من هذا معك ؟ فقال : محمد فرحب بي وسهل ، ثم قال : مر أمتك فلتكثر من غراس الجنة ، فإن تربتها طيبة وأرضها واسعة . فقلت : وما غراس الجنة ؟ قال : لا حول ولا قوة إلا بالله "
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن يزيد ، عن العوام ، حدثني رجل من الأنصار ، من آل النعمان بن بشير ، قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونحن في المسجد بعد صلاة العشاء ، فرفع بصره إلى السماء ثم خفض ، حتى ظننا أنه قد حدث في السماء شيء ، ثم قال : " أما إنه سيكون بعدي أمراء ، يكذبون ويظلمون ، فمن صدقهم بكذبهم ومالأهم على ظلمهم ، فليس مني ولا أنا منه ، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يمالئهم فهو مني وأنا منه . ألا وإن " سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر هن الباقيات الصالحات "
وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا أبان ، حدثنا يحيى بن كثير ، عن زيد ، عن أبي سلام [ عن ] مولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم [ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ] قال : " بخ بخ لخمس ما أثقلهن في الميزان : لا إله إلا الله ، والله أكبر ، وسبحان الله ، والحمد لله ، والولد الصالح يتوفى فيحتسبه والده " . وقال : " بخ بخ لخمس من لقي الله مستيقنا بهن ، دخل الجنة : يؤمن بالله ، واليوم الآخر ، وبالجنة وبالنار ، وبالبعث بعد الموت ، وبالحساب
وقال الإمام أحمد : حدثنا روح ، حدثنا الأوزاعي ، عن حسان بن عطية قال : كان شداد بن أوس رضي الله عنه ، [ في سفر ] فنزل منزلا فقال لغلامه : " ائتنا بالشفرة نعبث بها " . فأنكرت عليه ، فقال : ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت إلا وأنا أخطمها وأزمها غير كلمتي هذه . فلا تحفظوها علي واحفظوا ما أقول لكم : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إذا كنز الناس الذهب والفضة فاكنزوا هؤلاء الكلمات : اللهم إني أسألك الثبات في الأمر ، والعزيمة على الرشد ، وأسألك شكر نعمتك ، وأسألك حسن عبادتك ، وأسألك قلبا سليما ، وأسألك لسانا صادقا ، وأسألك من خير [ ص: ١٦٤ ] ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم ، وأستغفرك لما تعلم ، إنك أنت علام الغيوب "
ثم رواه أيضا النسائي من وجه آخر عن شداد ، بنحوه
وقال الطبراني : حدثنا عبد الله بن ناجية ، حدثنا محمد بن سعد العوفي ، حدثني أبي ، حدثنا عمر بن الحسين ، عن يونس بن نفيع الجدلي ، عن سعد بن جنادة - رضي الله عنه - قال : كنت في أول من أتى النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الطائف ، فخرجت من أهلي من السراة غدوة ، فأتيت منى عند العصر ، فتصاعدت في الجبل ثم هبطت ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأسلمت ، وعلمني : ( قل هو الله أحد ) و ( إذا زلزلت ) وعلمني هؤلاء الكلمات : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، وقال : " هن الباقيات الصالحات " . وبهذا الإسناد : " من قام من الليل فتوضأ ومضمض فاه ، ثم قال : سبحان الله مائة مرة ، والحمد لله مائة مرة ، والله أكبر مائة مرة ، ولا إله إلا الله مائة مرة ، غفرت ذنوبه إلا الدماء فإنها لا تبطل "
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : ( والباقيات الصالحات ) قال : هي ذكر الله ، قول : لا إله إلا الله ، والله أكبر ، وسبحان الله ، والحمد لله ، وتبارك الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وأستغفر الله ، وصلى الله على رسول الله ، والصيام ، والصلاة ، والحج ، والصدقة ، والعتق ، والجهاد ، والصلة ، وجميع أعمال الحسنات . وهن الباقيات الصالحات ، التي تبقى لأهلها في الجنة ، ما دامت السموات والأرض .
وقال العوفي ، عن ابن عباس : هن الكلام الطيب .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : هي الأعمال الصالحة كلها . واختاره ابن جرير ، رحمه الله .
[ تفسير ابن كثير ]

السبت، 22 سبتمبر 2012

قال سبحانه وتعالى في سورة فصلت آية (١٥)

{ فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥)}
[ سورة فصلت آية ١٥ ]
فأما عاد قوم هود فقد استعلَوا في الأرض على العباد بغير حق, وقالوا في غرور: مَن أشد منا قوة؟ أولم يروا أن الله تعالى الذي خلقهم هو أشدُّ منهم قوة وبطشًا؟ وكانوا بأدلتنا وحججنا يجحدون.
[ تفسير الميسر ]

{ فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِى ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقّ وَقَالُواْ } لما خُوِّفوا بالعذاب { مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً } أي لا أحد، كان وأحدهم يقلع الصخرة العظيمة من الجبل يجعلها حيث يشاء { أَوَ لَمْ يَرَوْاْ } يعلموا { أَنَّ ٱللهَ ٱلَّذِىِ خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُواْ بئَايَـاتِنَا } المعجزات { يَجْحَدُونَ } . فصلت آية ١٥
[ تفسير الجلالين ] .

لما احتج قومُ عاد بقولهم { مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً } قيل لهم { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّـهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} ، وهكذا كل ما في المخلوقات من قوة وشدة تدل على أن الله أقوى وأشد ، وما فيها من علم يدل على أن الله أعلم ، وما فيها من علم وحياة يدل على أن الله أولى بالعلم والحياة ، فمن تمام الحجة الاستدلال بالأثر على المؤثر . [ فصلت ١٥]
[ابن تيمية – مجموع الفتاوى (١٦/٣٥٧)]
من كتاب ليدبروا آياته

باب ما جاء في زكاة الذهب والورق - سنن الترميذي

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ الملكِ بنِ أَبي الشَّوَارِبِ أَخبرنَا أَبُو عَوَانَةَ عن أَبي إِسحاقَ عن عاصمِ بن ضَمرَةَ عن عليٍّ قَالَ:

- قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قد عَفَوتُ عن صَدَقَةِ الخَيلِ والرَّقيقِ فَهَاتُوا صَدَقَةِ الرَّقَةِ من كُلِّ أَربَعينَ دِرْهَماً دِرْهَمٌ. ولَيسَ لي في تِسعِينَ ومَائةٍ شيءٌ فإِذَا بَلغتْ مائتينِ فَفَيهَا خَمسةُ دَرَاهِمَ".

وفي البابِ عن أَبي بكرٍ الصِّدِّيقِ وعَمْرٍو بنِ حَزْمٍ.

قَالَ أَبُو عِيسَى: رَوَى هَذَا الحديثَ الأَعْمَشُ وأَبُو عَوَانَةَ وغيرُهُمَا عن أَبي إِسحاقَ عن عاصمِ بنِ ضَمرَةَ عن عليٍّ. ورَوَى سُفيَانُ الثَّوريِّ وابنُ عُيَينَةَ وغيرُ واحدٍ عن أَبي إِسحاقَ عن الحارثِ عن عليٍّ. قَالَ: وسأَلتُ مُحَمَّدَ بنَ إِسماعيلَ عن هَذَا الحديثِ فَقَالَ كِلاهُمَا عِندِي صَحيحٌ عن أَبي إِسحاقَ، يُحتَمَلُ أَنْ يكونَ عَنهُمَا جميعاً.
باب ما جاء في زكاة الذهب والورق سنن الترميذي

أبو قدامة وصاحبة الضفيرتين

أورد ابنُ الجوزي في صفة الصفوة وابنُ النحاس في مشارع الأشواق عن رجل من الصالحين اسمه أبو قدامة الشامي .. وكان رجلاً قد حبب إليه الجهاد والغزو في سبيل الله ، فلا يسمع بغزوة في سبيل الله ولا بقتال بين المسلمين والكفار إلا وسارع وقاتل مع المسلمين فيه ، فجلس مرة في الحرم المدني فسأله سائل فقال : يا أبا قدامة أنت رجل قد حبب إليك الجهاد والغزو في سبيل الله فحدثنا بأعجب ما رأيت من أمر الجهاد والغزو
فقال أبو قدامة : إني محدثكم عن ذلك :
خرجت مرة مع أصحاب لي لقتال الصليبيين على بعض الثغور ( والثغور هي مراكز عسكرية تجعل على حدود البلاد الإسلامية لصد الكفار عنها ) فمررت في طريقي بمدينة الرقة ( مدينةٍ في العراق على نهر الفرات ) واشتريت منها جملاً أحمل عليه سلاحي، ووعظت الناس في مساجدها وحثثتهم على الجهاد والإنفاق في سبيل الله، فلما جن علي الليل اكتريت منزلاً أبيت فيه ، فلما ذهب بعض الليل فإذا بالباب يطرق عليّ ، فلما فتحت الباب فإذا بامرأة متحصنة قد تلفعت بجلبابها
فقلت : ماتريدين ؟
قالت : أنت أبو قدامة ؟
قلت : نعم
قالت : أنت الذي جمعت المال اليوم للثغور ؟
قلت : نعم ، فدفعت إلي رقعة وخرقة مشدودة وانصرفت باكية،فنظرت إلى الرقعة فإذا فيها: إنك دعوتنا إلى الجهاد ولا قدرة لي على ذلك فقطعت أحسن ما فيَّ وهما ضفيرتاي وأنفذتهما إليك لتجعلهما قيد فرسك لعل الله يرى شعري قيد فرسك في سبيله فيغفر لي.
قال أبو قدامة : فعجبت والله من حرصها وبذلها ، وشدة شوقها إلى المغفرة والجنة. فلما أصبحنا خرجت أنا وأصحابي من الرقة ، فلما بلغنا حصن مسلمة بن عبد الملك فإذا بفارس يصيح وراءنا وينادي يقول : يا أبا قدامة يا أبا قدامة ، قف عليَّ يرحمك الله ، قال أبو قدامة : فقلت لأصحابي :
تقدموا عني وأنا أنظر خبر هذا الفارس ، فلما رجعت إليه ، بدأني بالكلام وقال : الحمد لله الذي لم يحرمني صحبتك ولم يردني خائباً.
فقلت له ما تريد : قال أريد الخروج معكم للقتال .
فقلت له : أسفر عن وجهك أنظر إليك فإن كنت كبيراً يلزمك القتال قبلتك ، وإن كنت صغيراً لا يلزمك الجهاد رددتك.
فقال : فكشف اللثام عن وجهه فإذا بوجه مثل القمر وإذا هو غلام عمره سبع عشرة سنة.
فقلت له : يا بني ؟ عندك والد ؟
قال : أبي قد قتله الصليبيون وأنا خارج أقاتل الذين قتلوا أبي.
قلت : أعندك والدة؟
قال : نعم
قلت : ارجع إلى أمك فأحسن صحبتها فإن الجنة تحت قدمها
فقال : أما تعرف أمي ؟
قلت : لا
قال : أمي هي صاحبة الوديعة
قلت : أي وديعة؟
قال : هي صاحبة الشكال
قلت : أي شكال ؟
قال : سبحان الله ما أسرع مانسيت !! أما تذكر المرأة التي أتتك البارحة وأعطتك الكيس والشكال ؟؟
قلت : بلى
قال : هي أمي ، أمرتني أن أخرج إلى الجهاد ، وأقسمت عليَّ أن لا أرجع وإنها قالت لي : يا بني إذا لقيت الكفار فلا تولهم الدبر ، وهَب نفسك لله واطلب مجاورة الله، ومساكنة أبيك وأخوالك في الجنة ، فإذا رزقك الله الشهادة فاشفع فيَّ.. ثم ضمتني إلى صدرها ، ورفعت بصرها إلى السماء ، وقالت : إلهي وسيدي ومولاي، هذا ولدي ،وريحانةُ قلبي، وثمرةُ فؤادي ، سلمته إليك فقربه من أبيه وأخواله..
ثم قال: سألتك بالله ألا تحرمني الغزو معك في سبيل الله ، أنا إن شاء الله الشهيد ابن الشهيد ، فإني حافظ لكتاب الله ، عارف بالفروسية والرمي ، فلا تحقرَنِّي لصغر سني..
قال أبو قدامة : فلما سمعت ذلك منه أخذته معنا ، فوالله ما رأينا أنشط منه، إن ركبنا فهو أسرعنا ، وإن نزلنا فهو أنشطنا ، وهو في كل أحواله لا يفتر لسانه عن ذكر الله تعالى أبداً.
فنزلنا منزلاً..وكنا صائمين وأردنا أن نصنع فطورنا..فأقسم الغلام أن لا يصنع الفطور إلا هو..فأبينا وأبى..فذهب يصنع الفطور..وأبطأ علينا..فإذا أحد أصحابي يقول لي يا أبا قدامة اذهب وانظر ما أمر صاحبك..فلما ذهبت فإذا الغلام قد أشعل النار بالحطب ووضع من فوقها القدر..ثم غلبه التعب والنوم ووضع رأسه على حجر ثم نام..
فكرهت أن أوقظه من منامه..وكرهت أن أرجع الى أصحابي خالي اليدين..فقمت بصنع الفطور بنفسي وكان الغلام على مرأى مني..فبينما هو نائم لاحظته بدأ يتبسم .. ثم اشتد تبسمه فتعجبت ثم بدأ يضحك ثم اشتد ضحكة ثم استيقظ.. فلما رآني فزع الغلام وقال: ياعمي أبطأت عليكم دعني أصنع الطعام عنك..أنا خادمكم في الجهاد.
فقال أبو قدامة: لا والله لست بصانع لنا شيء حتى تخبرني ما رأيت في منامك وجعلك تضحك وتتبسم .
فقال: يا عمي هذه رؤيا رأيتها..
فقلت: أقسمت عليك أن تخبرني بها .
فقال: دعها.. بيني وبين الله تعالى
فقلت: أقسمت عليك أن تخبرني بها
قال: رأيت ياعمي في منامي أني دخلت إلى الجنة فهي بحسنها وجمالها كما أخبر الله في كتابه..فبينما أنا أمشي فيها وأنا بعجب شديد من حسنها وجمالها..إذ رأيت قصراً يتلألأ أنواراً , لبنة من ذهب ولبنة من فضة ،وإذا شُرفاته من الدرّ والياقوت والجوهر ، وأبوابه من ذهب ، وإذا ستور مرخية على شرفاته ، وإذا بجواري يرفعن الستور ، وجوههن كالأقمار ..فلما رأيت حسنهن أخذت أنظر إليهن وأتعجب من حسنهن فإذا بجارية كأحسن ما أنت رائي من الجواري وإذ بها تشير إلي وتحدث صاحبتها وتقول هذا زوج المرضية هذا زوج المرضية..فقلت لها أنتي المرضية؟؟؟
فقالت: أنا خادمة من خدم المرضية..تريد المرضية؟؟ ادخل إلى القصر..تقدم يرحمك الله فإذا في أعلى القصر غرفة من الذهب الأحمر عليها سرير من الزبرجد الأخضر ، قوائمه من الفضة البيضاء ، عليه جارية وجهها كأنه الشمس، لولا أن الله ثبت علي بصري لذهب وذهب عقلي من حسن الغرفة وبهاء الجارية ..
فلما رأتني الجارية قالت : مرحباً بولي الله وحبيبه .. أنا لك وأنت لي .. فلما سمعت كلامها اقتربت منها وكدت ان أضع يدي عليها قالت : يا خليلي يا حبيبي أبعد الله عنك الخناء قد بقي لك في الحياة شيء وموعدنا معك غدًا بعد صلاة الظهر.. فتبسمت من ذلك وفرحت منه يا عم.
فقلت له: رأيت خيرًا إن شاء الله.
ثم إننا أكلنا فطورنا ومضينا الى أصحابنا المرابطين في الثغور ثم حضر عدونا..وصف الجيوش قائدنا..
وبينما أنا أتأمل في الناس..فإذ كل منهم يجمع حوله أقاربه وإخوانه..إلا الغلام..فبحثت عنه ووجدته في مقدمة الصفوف..فذهبت إليه وقلت: يا بني هل أنت خبير بأمور الجهاد؟؟ قال لا يا عم هذه والله أول معركة لي مع الكفار.
فقلت يا بني إن الأمر خلاف على مافي بالك ، إن الأمر قتال ودماء..فيا بني كن في آخر الجيش فان انتصرنا فأنت معنا من المنتصرين وإن هُزمنا لم تكن أول القتلى..
فقال متعجبا: أنت تقول لي ذلك؟؟
قلت: نعم أنا أقول ذلك .
قال: يا عم أتود أن أكون من أهل النار؟
قلت أعوذ بالله.. لا والله .. والله ما جئنا إلى الجهاد إلا خوفًا منها..
فقال الغلام: فان الله تعالى يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ ﴿١٥﴾ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّـهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ )
هل تريدني أوليهم الأدبار فأكون من أهل النار؟
فعجبت والله من حرصه وتمسكه بالآيات فقلت له يا بني إن الآية مخرجها على غير كلامك..فأبى يرجع فأخذت بيده أُرجعه إلى آخر الصفوف وأخذ يسحب يده عني فبدأت الحرب وحالت بيني وبينه..
فجالت الأبطال ،ورُميت النبال ، وجُرِّدت السيوف ، وتكسرت الجماجم ، وتطايرت الأيدي والأرجل .. واشتد علينا القتال حتى اشتغل كلٌ بنفسه ، وقال كل خليل كنت آمله ..لا ألهينك إني عنك مشغول.. حتى دخل وقت صلاة الظهر فهزم الله جل وعلا الصليبين…فلما انتصرنا جمعت أصحابي وصلينا الظهر وبعد ذلك ذهب كل منا يبحث عن أهله وأصحابه..إلا الغلام فليس هنالك من يسأل عنه فذهبت أبحث عنه..فبينما أنا اتفقده وإذا بصوت يقول: أيهاالناس ابعثوا إلي عمي أبا قُدامة ابعثوا إلي عمي أبا قدامة.. فالتفت إلى مصدر الصوت فإذا الجسد جسد الغلام ..وإذا الرماح قد تسابقت إليه ، والخيلُ قد وطئت عليه فمزقت اللحمان ، وأدمت اللسان وفرقت الأعضاء ، وكسرت العظام .. وإذا هو يتيم مُلقى في الصحراء .
قال أبو قدامة : فأقبلت إليه ، وانطرحت بين يديه ، وصرخت : ها أنا أبوقدامة .. ها أنا أبوقدامة ..
فقال : الحمد لله الذي أحياني إلى أن أوصي إليك ،فاسمع وصيتي. قال أبو قدامة : فبكيت والله على محاسنه وجماله ، ورحمةً بأمه التي فجعت عام أول بأبيه وأخواله وتفجع
الآن به، أخذت طرف ثوبي أمسح الدم عن وجهه.
فقال : تمسح الدم عن وجهي بثوبك !! بل امسح الدم بثوبي لا بثوبك ، فثوبي أحق بالوسخ من ثوبك ..
قال أبو قدامة : فبكيت والله ولم أحر جواباً ..
فقال : يا عم ، أقسمت عليك إذا أنا مت أن ترجع إلى الرقة ، ثم تبشر أمي بأن الله قد تقبل هديتها إليه ، وأن ولدها قد قُتل في سبيل الله مقبلاً غير مدبر ، وأن الله إن كتبني في الشهداء فإني سأوصل سلامها إلى أبي وأخوالي في الجنة ، .. ثم قال : يا عم إني أخاف ألا تصدق أمي كلامك فخذ معك بعض ثيابي التي فيها الدم، فإن أمي إذا رأتها صدقت أني مقتول ، وقل لها إن الموعد الجنة إن شاء الله ..
يا عم : إنك إذا أتيت إلى بيتنا ستجد أختاً لي صغيرة عمرها تسع سنوات .. ما دخلتُ المنزل إلا استبشرتْ وفرحتْ، ولا خرجتُ إلا بكتْ وحزنتْ ، وقد فجعت بمقتل أبي عام أول وتفجع بمقتلي اليوم ،وإنها قالت لي عندما رأت علي ثياب السفر : يا أخي لا تبطئ علينا وعجل الرجوع إلينا، فإذا رأيتها فطيب صدرها بكلمات ..وقل لها يقول لك أخوكِ الله خليفتي عليكي.. ثم تحامل الغلام على نفسه وقال : يا عمّ صدقت الرؤيا ورب الكعبة ، والله إني لأرى المرضية الآن عند رأسي وأشم ريحها ..ثم انتفض وتصبب العرق وشهق شهقات ، ثم مات.
قال أبو قدامة : فأخذت بعض ثيابه فلما دفناه لم يكن عندي هم أعظم من أنأرجعَ إلى الرقة وأبلغَ رسالته لأمه ..
فرجعت إلى الرقة وأنا لا أدري ما اسم أمه وأين تسكن..فبينما أنا أمشي وقفت عند منزل تقف على بابه فتاة صغيرة ما يمر أحد من عند بابهم وعليه أثر السفر إلا سألته يا عمي من أين أتيت فيقول من الجهاد فتقول له معكم أخي؟..
فيقول ما أدري مَن أخوك ويمضي..وتكرر ذلك مرارًا مع المارة ويتكرر معها نفس الرد..فبكت أخيرًا وقالت: مالي أرى الناس يرجعون وأخي لا يرجع..
فلما رأيت حالها أقبلت عليها..فرأت علي أثر السفر فقالت يا عم من أين أتيت قلت من الجهاد فقالت معكم أخي فقلت أين هي أمك؟؟
قالت: في الداخل ودخلت تناديها..فلما أتت الأم وسمعت صوتي عرفتني وقالت: يا أبا قدامة أقبلت معزيًا أم مبشرًا؟؟
فقلت: كيف أكون معزيًا ومبشرًا؟
فقالت: إن كنت أقبلت تخبرني أن ولدي قُتل في سبيل الله مقبل غير مدبر فأنت تبشرني بأن الله قد قبل هديتي التي أعدتها من سبعة عشر عامًا. وإن كنت قد أقبلت كي تخبرني أن ابني رجع سالمًا معه الغنيمة فإنك تعزيني لأن الله لم يقبل هديتي إليه..
فقلت لها: بل أنا والله مبشر إن ولدك قد قتل مقبل غير مدبر..فقالت ما أظنك صادقًا وهي تنظر إلى الكيس ثم فتحت الكيس وإذا بالدماء تغطي الملابس فقلت لها أليست هذه ثيابه التي ألبستيه إياها بيدك؟
فقالت الله أكبر وفرحت.. أما الصغيرة فشهقت ثم وقعت على الأرض ففزعت أمها ودخلت تحضر لها ماء تسكبها على وجهها.. أما أنا فجلست أقرأ القرآن عند رأسها..و والله مازالت تشهق وتنادي باسم أبيها وأخيها..وما غادرتها إلا ميتة..
فأخذتها أمها وأدخلتها وأغلقت الباب وسمعتُها تقول: اللهم إني قد قدمت زوجي وإخواني وولدي في سبيلك ٫اللهم أسألك أن ترضى عني وتجمعني وإياهم في جنتك .
http://i.imgur.com/l8ZCk.jpg

الجمعة، 21 سبتمبر 2012

سورة غافر آية (٧)

قال سبحانه وتعالى :
{ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) } [ سورة غافر ]
الذين يحملون عرش الرحمن من الملائكة ومَن حول العرش ممن يحف به منهم, ينزِّهون الله عن كل نقص, ويحمَدونه بما هو أهل له, ويؤمنون به حق الإيمان, ويطلبون منه أن يعفو عن المؤمنين, قائلين : ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلمًا, فاغفر للذين تابوا من الشرك والمعاصي, وسلكوا الطريق الذي أمرتهم أن يسلكوه وهو الإسلام, وجَنِّبْهم عذاب النار وأهوالها. تفسير الميسر

قال خلف بن هشام : أتيت سليم بن عيسى لأقرأ عليه ، فكنت أقرأ عليه حتى بلغت يوماً سورة غافر فلما بلغت إلى قوله تعالى
{ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} [غافر٧] بكى بكاءُ شديداً، ثم قال لي : يا خلف ألا ترى ما أعظم حق المؤمن ؟ تراه نائماً على فراشه والملائكة يستغفرون له .
[ابن خلكان – وفيات الأعيان (٢/٢٤٢)]
من كتاب ليدبروا آياته

{ ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ } مبتدأ { وَمَنْ حَوْلَهُ } عطف عليه { يُسَبِّحُونَ } خبره { بِحَمْدِ رَبّهِمْ } ملابسين للحمد، أي يقولون: سبحان الله وبحمده { وَيُؤْمِنُونَ بِهِ } تعالى ببصائرهم أي يصدقون بوحدانيته { وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ } يقولون { رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً } أي وسعت رحمتُك كلَّ شيء وعلمُك كلَّ شيء { فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ } من الشرك { وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ } دين الإِسلام { وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ } النار. تفسير الجلالين

الذين يحملون العرش: أي الملائكة حملة العرش.
ومن حوله: أي والملائكة الذي يحفون بالعرش من جميع جوانبه.
يسبحون بحمد ربهم: أي يقولون سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم هذه صلاتهم وتسبيحهم.
ويؤمنون به: كيف لا وهم عنده، ولكن هذا من باب الوصف بالكمال لهم.
ويستغفرون للذين آمنوا: أي يطلبون المغفرة للمؤمنين لرابطة الإِيمان بالله التي تربطهم بهم.
ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما: أي يقولون يا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما.
فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك: أي فبما أن رحمتك وعلمك وسعا كل مخلوقاتك فاغفر للذين تابوا إليك فعبدوك ووحدوك واتبعوا سبيلك الذي هو الإِسلام.
وقهم عذاب الجحيم: أي احفظهم من النار فلا تُعذّبهم بها.
جنات عدن: أي بساتين فيها قصور وأنهار للإِقامة الدائمة.
التي وعدتهم: أي بقوله تعالى: إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتهم الأنهار.
ومن صلح من آبائهم: أي ومن صلح بالإِيمان ولم يفسد بالشرك والكفر.
وقهم السيئات: أي احفظهم من جزاء السيئات التي عملوها فلا تؤاخذهم بها.
ومن تق السيئات يومئذ: أي ومن تقه جزاء سيئاته يوم القيامة فلم تؤاخذه.
فقد رحمته: أي حيث سترته ولم تفضحه وعفوت عنه ولم تعذبه.
وذلك: أي الوقاية من العذاب وإدخال الجنة
هو الفوز العظيم.
معنى الآيات:
قوله تعالى: { ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ } يخبر تعالى عن عظمته وموجبات الإِيمان به وبآياته وتوحيده ولقائه فيقول الذي يحملون العرش أي عرشه من الملائكة كالملائكة الذين يحفون بعرشه الجميع { يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ } تسبيحاً مقروناً بالحمد بأن يقولوا سبحان الله وبحمده ويؤمنون به أي يؤمنون بوحدانيته وعدم الإِشراك في عبادته { وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ } لرابطة الإِيمان التي ربطتهم بهم ولعل هذا السرَّ في ذكر إيمانهم لأن المؤمنين إخوة واستغفارهم هو طلب المغفرة من الله للمؤمنين من عباده. وهو معنى قوله: { رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً } أي يقولون متوسلين إليه سبحانه وتعالى بصفاته { رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً } أي يا ربنا وسعت رحمتك وعلمك سائر المخلوقات فاغفر للذين تابوا أي إليك فتركوا الشرك واتبعوا سبيلك الذي هو الإِسلام فانقادوا لأمرك ونهيك، وقهم عذاب الجحيم أي احفظهم يا ربنا من عذاب النار وأدخلهم جنات عَدْنٍ أي إقامة من دخلها لا يخرج منها ولا يبغي عنها حولا لكمال نعيمها ووفرة السعادة فيها. ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذريَّتهم أي وادخل كذلك من صلح بالإِيمان والتوحيد من آبائهم وأزواجهم وذريَّاتهم فألحقهم بدرجاتهم ليكونوا معهم وإن قصرت بهم أعمالهم. وقولهم إنك أنت العزيز الحكيم توسل أيضاً إليه تعالى بصفتي العزة والغلبة والقهر لكل المخلوقات والحكمة المتجلية في سائر الكائنات.
وقولهم: { وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَاتِ } أي واحفظهم من جزاء سيئاتهم بأن تغفرها لهم وتسترها عليهم حتى يتأهّلوا للحاق بأبنائهم الذين نسألك أن تلحقهم بِهِمْ، { وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ } أي يوم القيامة { فَقَدْ رَحِمْتَهُ } ، { وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } أي النجاة من النار ودخول الجنة هو الفوز العظيم لقوله تعالى:
{ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ }
[آل عمران: ١٨٥]. ومعنى ومن تق السيئآت أي تقيه عذابها وذلك بأن يغفرها لهم ويعفو عنهم فلا يؤاخذهم بها، فينجوا من النار ويدخلوا الجنة وذلك أي النجاة من النار ودخول الجنة هو الفوز العظيم.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان عظم الرب تعالى.
٢- بيان فضل الإِيمان وأهله.
٣- فضل التسبيح بقول: سبحان الله وبحمده فقد صح أن من قالها مائة مرة حين يصبح أو حين يمسي غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر أي في الكثرة.
٤- بشرى المؤمنين بأن الله تعالى يجمعهم بآبائهم وأزواجهم وذرياتهم في الجنة، وقد استجاب الله للملائكة وقد أخبر تعالى عن ذلك بقوله: { وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } [الطور: ٢١].
[ أيسر التفاسير أبو بكر الجزائري ]

الخميس، 20 سبتمبر 2012

باب المراقبة في سورة آل عمران آية (٥)

قال سبحانه وتعالى : { إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ (٥) } "آل عمران"

إن الله محيط علمه بالخلائق, لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء, قلَّ أو كثر.
[ تفسير الميسر ]

هذا خبر عن علمه تعالى بالأشياء على التفصيل؛ ومثله في القرآن كثير. فهو العالم بما كان وما يكون وما لا يكون؛ فكيف يكون عيسى إلهاً أو ٱبن إله وهو تَخْفى عليه الأشياء!
[ تفسير الجامع لأحكام القرآن القرطبي ]

هذه الجملة استئنافية لبيان سعة علمه، وإحاطته بالمعلومات، بما في الأرض والسماء، مع كونها أوسع من ذلك، لقصور عباده عن العلم بما سواهما من أمكنة مخلوقاته، وسائر معلوماته، ومن جملة ما لا يخفى عليه إيمان من آمن من خلقه، وكفر من كفر.
[ تفسير فتح القدير الشوكاني ]

{ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ } كائن { فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَاءِ } لعلمه بما يقع في العالم من كُلِّي وجزئيّ وخصهما بالذكر لأنّ الحس لا يتجاوزهما.
[ تفسير الجلالين ]